بين العرقلة والتعاون؛ تحولات موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني من روجافا تحت المجهر
برغراف — لسنوات طويلة، اتسمت العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وروجافا بالتوتر والقطيعة والعرقلة السياسية المتعمدة. فحتى عام 2023، كانت قوافل المساعدات المتجهة الى روجافا تمنع من العبور عبر معبر فيشخابور سمالك، بما في ذلك خلال كارثة الزلزال المدمر. واليوم، يظهر الحزب نفسه شريكا في تقديم المساعدات الانسانية وداعما لروجافا، في تحول حاد يثير تساؤلات عميقة حول خلفياته ودوافعه السياسية.
سجل تحالفات لا حياد
لم تكن علاقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني المتوترة مع روجافا وقوات سوريا الديمقراطية بمعزل عن السياق الاقليمي، بل ارتبطت بشكل وثيق بعلاقاته السياسية والاقتصادية والامنية القوية مع تركيا. اذ تنظر انقرة الى قسد كتهديد وجودي، وتساويها بحزب العمال الكوردستاني، وتعلن صراحة سعيها لتفكيكها. وفي الوقت الذي يبدي فيه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان دعما واضحا لاحمد الشرع والفصائل المسلحة المناهضة لقسد، ظل موقف الحزب الديمقراطي متماهيا مع هذا التوجه.
وفي هذا الاطار، فسرت اغلاقات معبر فيشخابور المتكررة، رغم تبريرها باسباب فنية او ادارية، على انها قرارات سياسية منسجمة مع المصالح التركية. وخلال فترات حصار وتصعيد عسكري وازمات انسانية، وجدت روجافا نفسها معزولة ليس فقط من دول معادية، بل ايضا من طرف كوردستاني يسيطر على شريانها الحيوي الوحيد.
وشكل زلزال 2023 محطة كاشفة، اذ تحركت منظمات المجتمع المدني والمتطوعون في عموم كوردستان، لا سيما في السليمانية، لارسال مساعدات واسعة الى روجافا، الا ان جزءا كبيرا منها منع من العبور، رغم التعاطف الشعبي الكوردي الواسع مع المتضررين.
تطبيع مشروط بظروف جديدة
مع مطلع 2025، وبالتزامن مع مرحلة جديدة في مسار السلام داخل تركيا، بدأت مؤشرات تطبيع حذر بين الحزب الديمقراطي وروجافا. ويرى مراقبون ان هذا التحول لم يكن تلقائيا، بل جاء ضمن دور اقليمي مرسوم لمسعود بارزاني، يتيح له لعب دور الوسيط مع الحفاظ على ثوابت انقرة تجاه قسد.
وبحسب هذا التقدير، فان انخراط الحزب الديمقراطي الحالي مع روجافا قد يكون وظيفيا اكثر منه تصالحيا، كقناة مدارة لتعامل تركيا مع الملف الكوردي خارج حدودها، دون تغيير جوهري في عقيدتها الامنية.
تحول تحت ضغط الشارع
في 21 كانون الثاني 2026، ارسلت مؤسسة بارزاني الخيرية 67 شاحنة مساعدات غذائية وغير غذائية الى روجافا، برفقة 150 موظفا للاشراف على التوزيع، في ظل موجة نزوح جديدة بسبب هجمات فصائل مرتبطة بالحكومة السورية، اجبرت مئات العائلات على التوجه نحو قامشلو في ظروف انسانية قاسية.
وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع موجة غير مسبوقة من التضامن الكوردي، شملت تظاهرات واسعة في كوردستان والمهجر، وتسليط الضوء الدولي على هشاشة مناطق ادارة قسد.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل استجاب الحزب الديمقراطي لضرورة انسانية فعلية، ام انه تكيف مع لحظة بات فيها معاداة روجافا مكلفة سياسيا؟
تسخير مؤسسات الدولة
اعقب اطلاق حملة المساعدات حشد كامل لاجهزة الادارة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحزب الديمقراطي لدعم مؤسسة بارزاني الخيرية، حيث وضعت الادارات المحلية والاجهزة الامنية في خدمتها، في مشهد لم يتكرر سابقا مع منظمات اخرى.
وفي بيان مشترك صدر في 22 كانون الثاني 2026، اعلن محافظو اربيل ودهوك والادارات المستقلة في سوران وزاخو اطلاق حملة موحدة لجمع المساعدات، مع حصر عملية النقل والتفاصيل بمؤسسة بارزاني الخيرية، ما اثار تساؤلات حول تسييس العمل الانساني واستخدام موارد الدولة لتعزيز صورة جهة بعينها.
تركيا وقسد تناقض قائم
رغم هذا الانفتاح، يبقى التناقض الاساسي قائما. فالحزب الديمقراطي يحافظ على واحدة من اوثق العلاقات مع تركيا، في وقت لا تزال فيه انقرة مصرة على تفكيك قسد.
وهنا تطرح اسئلة حاسمة:
هل الحزب مستعد للمجازفة بتحالفه مع تركيا دفاعا عن روجافا؟
ام انه يراهن على استخدام علاقته بانقرة لتليين موقفها؟
وهل يمتلك فعلا النفوذ للتأثير على سياسة يعتبرها اردوغان اولوية امن قومي؟
حتى الان، لا مؤشرات على تغيير في الموقف التركي، ولا تصريحات واضحة من الحزب الديمقراطي ترفض الدعوات الى تفكيك قسد، ما يجعل انخراطه الحالي عرضة لوصفه بانه ادارة صورة اكثر منه تحولا استراتيجيا.
اختبار يتجاوز المساعدات
في المحصلة، ستقاس مصداقية تحول الحزب الديمقراطي تجاه روجافا ليس بعدد الشاحنات، بل بالثبات السياسي. هل سيبقى معبر فيشخابور مفتوحا؟ هل سيجاهر الحزب برفض استهداف قسد؟ وهل سيستخدم علاقاته الاقليمية للدفاع عن روجافا لا لتجنب الصدام؟
من دون اجابات واضحة، يبقى الفاصل بين عرقلة الامس وتعاون اليوم واسعا وغير محسوم، في لحظة يصنع فيها الشارع الكوردي وحدته من الاسفل، بينما يقف الحزب الديمقراطي امام اختبار تاريخي حاسم.