برغراف — كشفت محاضر منشورة حديثا لاجتماع رفيع المستوى بين عبد الله اوجلان واعضاء لجنة التضامن والاخوة والديمقراطية في البرلمان التركي عن اوضح مؤشر حتى الان على سعي انقرة لتوسيع اطار عملية السلام المتجددة خارج حدودها، واضعة كورد سوريا وقوات سوريا الديمقراطية في قلب اعادة ترتيب اقليمي محتمل.
الاجتماع عقد في 24 تشرين الثاني 2025 داخل سجن ايمرالي شديد الحراسة، ونشرت محاضره اليوم، وجاء في 16 صفحة تضمنت اوضح موقف لاوجلان حتى الان تجاه سوريا، يتمثل بالدعوة الى نزع السلاح، والاندماج السياسي، وما سماه نزع العسكرة الذهنية للقوى الكوردية، بما فيها قسد، ضمن نظام اقليمي يتمحور حول تركيا.
سوريا في صدارة المشهد
رغم ان جزءا كبيرا من النقاش تناول تاريخ محاولات السلام الفاشلة بين الدولة التركية وحزب العمال الكوردستاني، برز الملف السوري كنقطة كسر حاسمة. اذ شدد اوجلان مرارا على ان اي حل دائم داخل تركيا سيفشل ما لم يقابله مسار مماثل في سوريا، محذرا من ان مركز الثقل التنظيمي انتقل من قنديل الى شمال وشرق سوريا.
وقال اوجلان للجنة: “هناك شيء يجري في سوريا الان”، معتبرا الملف السوري مساويا من حيث الاهمية للمسالة الكوردية داخل تركيا. واقر بان قسد، بدعم من الولايات المتحدة واسرائيل، تمتلك قوة عسكرية لا تقل عن مئة الف مقاتل، لكنه اعتبر ان استمرار العسكرة سيقوض في النهاية مكاسب الكورد.
نزع السلاح خارج تركيا
والاهم، اوضح اوجلان ان دعوته في شباط 2025 الى حل حزب العمال الكوردستاني وترك السلاح لا تقتصر على تركيا، بل تشمل جميع مكونات الحركة في سوريا والعراق وايران.
وقال: “انهاء حزب العمال لا يتطلب فقط ترك السلاح، بل نزع العداء من العقول”، في اشارة الى تفكيك البنية الذهنية للصراع الى جانب البنية المسلحة. كما انتقد بشكل صريح نقل مقاتلين من العراق الى سوريا، واصفا ذلك بالتناقض الذي يجب تصحيحه.
اعضاء اللجنة شاركوا هذا التوجه. اذ اكد حسين يايمن، ممثل حزب العدالة والتنمية الحاكم، ان توقعات الراي العام باتت تتركز على خطوات عملية في سوريا، بما في ذلك نزع السلاح واعادة الاطفال الذين يقال انهم جندوا من قبل جماعات مسلحة.
وقال يايمن: “الشعب يسال: هل ستلقى الاسلحة في سوريا”، في اشارة الى الضغط السياسي المتزايد على هذا المسار.
قسد والدولة والتدخلات الخارجية
ميز اوجلان بوضوح بين رؤيته الخاصة وما وصفه بمشاريع ناشئة لاقامة دولة كوردية في سوريا. واشار الى اجتماعات عقدت في اربيل واوروبا، بعضها برعاية المانية، قال انها تهدف الى “الاقامة الكاملة لدولة كوردية”.
وبلغة غير معتادة، قدم اوجلان نفسه كعقبة امام هذه الطموحات، معتبرا ان دولة كوردية في سوريا ستخدم المصالح الاقليمية لاسرائيل اكثر مما تخدم استقرار الكورد. ووصف تركيا بانها “دولة اولية” يمكن ان تشكل مرتكزا لاندماج اقليمي، في حين اعتبر الدولة الكوردية المحتملة “مشروعا ما بعد اسرائيل” يعمق التفكك الاقليمي.
وبديلا عن ذلك، طرح اوجلان نموذجه المعروف بـ”المجتمع الديمقراطي”، القائم على الديمقراطية المحلية والكومينات والمجتمع المدني، بدلا من الحكم الذاتي او الفدرالية. وادعى ان هذا النموذج قابل للتطبيق في سوريا، مشيرا الى قدرته على فتح حوار مع قيادة قسد، بما في ذلك مظلوم عبدي، الذي وصفه بانه من اقرب رفاقه السابقين.
اندماج لا استقلال
ووفقا للمحاضر، ايد اوجلان اتفاق 10 اذار الذي قيل ان قسد وقعت عليه، معتبرا اياه اساسا لخطوات لاحقة، لكنه شدد على ان القوات المسلحة في سوريا يجب ان تندمج مستقبلا ضمن هيكل دفاعي موحد، لا ان تبقى قوى مستقلة.
وحذر من ان غياب الديمقراطية المحلية والمجتمع المدني قد ينتج “حافظ اسد جديدا”، بغض النظر عن الجهة المسيطرة على الارض. وفي الوقت نفسه، رفض نموذج الدولة المركزية السلطوية، داعيا الى لامركزية من دون تفكيك.
وقال: “الديمقراطية المحلية ضرورة بقدر ضرورة مركز الدولة”، مقدما ذلك كمعادلة توازن لا تهديد لوحدة الاراضي.
تحذير من الانقلاب وضيق الوقت
شهد الاجتماع تحذيرات متكررة من ما سمي بـ”الية الانقلاب”، في اشارة الى قوى راسخة داخل الدولة وخارجها افشلت سابقا مسارات السلام.
واكد ممثلو اللجنة ان نافذة التقدم ضيقة. وشدد فتي يلديز من حزب الحركة القومية على ان الطروحات الافتراضية او القصوى، خصوصا المتعلقة بالحدود او الدولة، قد تفشل العملية. واضاف ان التركيز يجب ان يبقى على “تركيا بلا ارهاب”، مع اعتبار سوريا جزءا لا يتجزا من هذا الهدف.
واقر اوجلان بوجود مقاومة داخل التنظيم، لا سيما بين الاجنحة المترسخة في سوريا، واعترف بان دعواته السابقة لم تنفذ بالكامل. لكنه اكد ان تاثيره لا يزال حاسما، وان استعداده قائم للتحرك “نظريا وعمليا” اذا توفرت الشروط القانونية والسياسية.
اختبار اقليمي
يمثل نشر هذه المحاضر تصعيدا واضحا في توقعات انقرة من الفاعلين الكورد في سوريا. وللمرة الاولى، يجري الحديث علنا داخل اطار برلماني رسمي عن نزع سلاح قسد، وان كان ذلك بشكل غير مباشر عبر وساطة اوجلان.
ويبقى السؤال مفتوحا حول مدى استجابة قسد، المرتبطة استراتيجيا بالولايات المتحدة والمستهدفة بالضغط العسكري التركي، لمثل هذه الدعوات. لكن المؤكد ان مبادرة السلام التركية لم تعد محصورة داخل حدود الدولة.
وكما قال احد اعضاء اللجنة، فان الفشل في تحويل هذه النقاشات الى خطوات ملموسة، خصوصا في سوريا، قد يعيد انتاج دورة تصعيد جديدة. في هذه اللحظة، انتقلت سوريا من هامش المسالة الكوردية في تركيا الى مركزها.