البرلمان التركي يقر قانونا تاريخيا يمهد لنزع سلاح حزب العمال الكوردستاني ودمج أعضائه

11-08-2026 01:04

برغراف - أقر البرلمان التركي، اليوم الاثنين، قانونا جديدا يضع الإطار القانوني لعملية حل حزب العمال الكوردستاني ونزع سلاحه، في خطوة تعد الأبرز تشريعيا منذ انطلاق المسار السياسي الرامي إلى إنهاء الصراع المسلح المستمر منذ عقود.

وصوتت الجمعية العامة للبرلمان التركي على مشروع القانون، الذي يحمل رسميا اسم "قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي”، بعد جلسة نقاش استمرت نحو 12 ساعة، وحصل على تأييد 468 نائبا مقابل 88 صوتا رافضا وامتناع 6 نواب عن التصويت، من أصل 600 مقعد في البرلمان.

وحظي القانون بدعم واسع من مختلف القوى السياسية التركية، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحليفه حزب الحركة القومية، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للكورد، إضافة إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي.

وشارك في التصويت عدد من أبرز قادة الأحزاب، بينهم رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي، والرئيسان المشاركان لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب تونجر بكرخان وتولاي حاتم أوغولاري، ورئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، ورئيس الحزب الجيد موسافات درويش أوغلو، إلى جانب قيادات حزب السعادة والحزب الديمقراطي اليساري وحزب الهدى وحزب العمال التركي.

وكان رئيس حزب الرفاه من جديد فاتح أربكان من أبرز المعارضين لمسار القانون، إذ أعلن أن حزبه سيمتنع عن التصويت.

قانون مرتبط بمسار "تركيا الخالية من الإرهاب"

ويمثل القانون أحدث وأهم نتيجة تشريعية حتى الآن لمسار سياسي بدأ بصورة علنية في تشرين الأول 2024، عندما فاجأ رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي الأوساط السياسية التركية بدعوته إلى السماح لعبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكوردستاني والمسجون في جزيرة إمرالي منذ عام 1999، بالتحدث أمام البرلمان والدعوة إلى حل الحزب.

وفي شباط 2025، دعا أوجلان حزب العمال الكوردستاني إلى عقد مؤتمر واتخاذ قرار بحل الحزب وإنهاء العمل المسلح وتسليم السلاح.

وأعلن الحزب في أيار 2025 إنهاء صراعه المسلح وحل هياكله التنظيمية، قبل أن ينفذ مقاتلون منه في وقت لاحق مراسم رمزية لتدمير أسلحتهم في جبال قنديل داخل كوردستان العراق.

وبعد ذلك، شكل البرلمان التركي لجنة خاصة في آب 2025 لمتابعة المسار، واستمعت اللجنة على مدى أشهر إلى سياسيين ومسؤولين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وشخصيات أخرى، قبل أن توصي بإطار قانوني لتنفيذ مرحلة ما بعد نزع السلاح.

وكان مشروع القانون قد اجتاز لجنة العدل البرلمانية يوم الجمعة 7 آب، بعد مناقشات استمرت نحو 17 ساعة، ووصل إلى الجمعية العامة حاملا توقيعات أكثر من 360 نائبا. 

ما الذي ينص عليه القانون؟

يحدد القانون مجموعة من الجرائم المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني وحزب العمال الكوردستاني - اتحاد مجتمعات كوردستان، وتشمل تأسيس التنظيم أو قيادته، والعضوية فيه، وتقديم المساعدة له مع العلم بطبيعته ونشاطه، والدعاية له، وجرائم أخرى ارتكبت في إطار أنشطته، إضافة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة تمويل الإرهاب التي ارتكبت لصالح التنظيم.

وفي المقابل، يستثني القانون جرائم القتل العمد التي ارتكبت في إطار أنشطة التنظيم، كما يستثني الأحكام بالسجن المؤبد أو المؤبد المشدد المتعلقة بجرائم ارتكبت قبل 1 حزيران 2005.

وبموجب القانون، يمكن تعليق تنفيذ أحكام السجن الصادرة في الجرائم المشمولة بالحماية.

فبالنسبة إلى الأحكام التي لا تتجاوز مدتها 15 عاما، يمكن تأجيل تنفيذها لمدة خمس سنوات بقرار من قاضي تنفيذ العقوبات.

أما الأحكام التي تتجاوز 15 عاما، إضافة إلى أحكام السجن المؤبد والمؤبد المشدد، فيمكن تأجيل تنفيذها لمدة عشر سنوات.

ولا تقتصر الإجراءات على الأحكام النهائية، إذ تشمل كذلك التحقيقات والمحاكمات الجارية في القضايا التي تدخل ضمن نطاق القانون.

وخلال فترة التأجيل، يتوقف احتساب مدة التقادم، كما يجب الحفاظ على ملفات القضايا والأدلة المرتبطة بها.

ويحق للأشخاص الذين تصدر بحقهم قرارات تأجيل الطعن فيها خلال مدة أسبوعين. 

شرط أساسي قبل بدء تنفيذ القانون

ولا يبدأ تطبيق الإجراءات المنصوص عليها بصورة تلقائية بمجرد إقرار القانون.

ويشترط القانون أن تتأكد مؤسسات الأمن التركية من أن حزب العمال الكوردستاني واتحاد مجتمعات كوردستان وجميع الهياكل التابعة لهما قد أنهت وجودها العملياتي بصورة كاملة، وسلمت جميع الأسلحة والذخائر والمعدات الموجودة بحوزتها.

بعد ذلك، يجب أن يصدر مجلس الأمن القومي التركي قرارا رسميا يؤكد انتهاء وجود التنظيم وتسليم أسلحته، على أن ينشر القرار في الجريدة الرسمية.

وعندها فقط تبدأ الآليات القانونية الخاصة بتأجيل التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ الأحكام.

كما ينص القانون على أن التحقيقات التي تفتح بعد نشر قرار مجلس الأمن القومي بشأن جرائم مؤهلة للاستفادة من القانون، لكنها ارتكبت قبل صدور القرار، تحتاج إلى موافقة مجلس الإشراف المكلف بتنفيذ القانون.

وفي حال ارتكب شخص يستفيد من قرار التأجيل جريمة إرهابية جديدة خلال فترة التأجيل، يلغى القرار وتستأنف الإجراءات القضائية أو تنفيذ العقوبة.

أما إذا انتهت فترة التأجيل من دون ارتكاب جريمة إرهابية جديدة، فتغلق القضية أو تعتبر العقوبة منفذة وفقا للأحكام المحددة في القانون. 

مهلة ستة أشهر للمستفيدين

ويحدد القانون مدة ستة أشهر أمام الأشخاص المؤهلين للاستفادة من أحكامه لتقديم طلب خطي إلى النيابة العامة أو إلى الجهات التي تحددها السلطات المختصة.

وتبدأ هذه المهلة من تاريخ نشر قرار مجلس الأمن القومي الذي يؤكد حل التنظيم وتسليم أسلحته في الجريدة الرسمية. 

مجلس للإشراف على عملية التنفيذ

وينص القانون على تشكيل مجلس للإشراف على تنفيذ ومتابعة الإجراءات، برئاسة نائب رئيس الجمهورية.

ويضم المجلس وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع، والأمين العام لرئاسة الجمهورية، ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية، والأمين العام لمجلس الأمن القومي.

ويتمتع المجلس بصلاحيات متابعة تنفيذ القانون وتقييم عملية حل التنظيم وتسليم الأسلحة، كما يمكنه تشكيل لجان فرعية والاستعانة بالجهات المختصة لمتابعة التطورات.

ويلزم المجلس بتقديم تقارير دورية إلى البرلمان التركي بشأن سير عملية التنفيذ.

كما ينص القانون على تشكيل لجنة مراقبة داخل البرلمان لمتابعة الإجراءات وتقديم التوصيات المتعلقة بتنفيذ القانون.

تنظيم وتسليم الأسلحة

ويتضمن القانون إجراءات خاصة لتوثيق الأسلحة والمعدات التي يسلمها أعضاء التنظيم أو يعلنون عنها.

وتشمل الإجراءات الأسلحة والذخائر والمركبات والمعدات والمتفجرات والمواد الأخرى المرتبطة بالنشاط المسلح.

وتتولى وزارتا الداخلية والدفاع وضع القواعد المتعلقة بتسجيل هذه المعدات والتعامل معها، بالتنسيق مع المؤسسات الأمنية المختصة.

وبذلك يربط القانون بين الجانب القانوني الخاص بإعادة دمج الأشخاص المؤهلين وبين عملية ميدانية تتعلق بتسليم الأسلحة وإنهاء البنية المسلحة للتنظيم.

نقاش واسع داخل البرلمان

وشهدت جلسة البرلمان نقاشا سياسيا واسعا قبل التصويت على القانون.

ودعا رئيس حزب الرفاه من جديد فاتح أربكان إلى طرح المسألة على استفتاء شعبي، معتبرا أن القرارات المتعلقة بأعضاء حزب العمال الكوردستاني يجب أن تراعي مواقف عائلات الجنود الذين قتلوا خلال الصراع والمحاربين القدامى والرأي العام التركي.

وأعلن حزبه الامتناع عن التصويت على مشروع القانون.

وفي المقابل، أشاد نائب رئيس البرلمان التركي الذي ترأس جلسة التصويت، جلال عدنان، بدور دولت بهجلي والرئيس رجب طيب أردوغان في مسار “تركيا الخالية من الإرهاب”، موجها الشكر إلى النواب المشاركين في العملية التشريعية.

وعقب التصويت، رفع البرلمان جلساته ودخل في عطلة، على أن يعقد جلسته المقبلة يوم الخميس 1 تشرين الأول في الساعة الثانية ظهرا.

ماذا لا يحل القانون؟

ورغم أهمية القانون، فإنه لا يتناول جميع الملفات المرتبطة بالقضية الكوردية والصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكوردستاني.

فالتشريع لا يتضمن بصورة مباشرة إصلاحات أوسع تتعلق بالحقوق السياسية والثقافية للكورد في تركيا، ولا يعالج بشكل شامل التعديلات المحتملة على قوانين مكافحة الإرهاب.

كما لا يحسم القانون الوضع القانوني لعبد الله أوجلان، الذي لا يزال مسجونا في جزيرة إمرالي.

وكانت شخصيات من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب قد أشارت قبل التصويت إلى وجود فجوات في القانون، فيما انتقدت الهيئة القيادية التي تولت إدارة مرحلة ما بعد حل حزب العمال الكوردستاني بعض بنوده، معتبرة أن النص يتضمن “أخطاء ونواقص خطيرة”.

وقالت الهيئة إن نجاح تنفيذ المسار يعتمد أيضا على السماح لأوجلان بأداء دور في إدارة العملية، بما في ذلك القدرة على التواصل والتنسيق، وهي مسألة سبق أن طرحها بهجلي، لكنها لم تحدد بصورة واضحة في نص القانون.

بين نزع السلاح والإصلاح السياسي

وتقدم الحكومة التركية القانون باعتباره جزءا من مشروع “تركيا الخالية من الإرهاب”، وترى أن إنهاء البنية المسلحة لحزب العمال الكوردستاني يمكن أن يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والاندماج الاجتماعي.

في المقابل، يرى سياسيون كورد أن إنهاء الصراع المسلح وتسليم السلاح لا يمثل وحده حلا نهائيا للقضية الكوردية، وأن السلام المستدام يحتاج إلى إصلاحات ديمقراطية وقانونية أوسع، تشمل الحقوق السياسية والثقافية، وإعادة النظر في بعض التشريعات المتعلقة بالإرهاب، إضافة إلى معالجة الملفات القانونية المرتبطة بالمعتقلين والمحكومين.

ويأتي إقرار القانون بعد أكثر من أربعة عقود على بدء الصراع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكوردستاني عام 1984، والذي خلف أكثر من 40 ألف قتيل وفقا للتقديرات المتداولة، وأدى إلى خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكوردية جنوب شرقي تركيا.

ويعد التصويت البرلماني خطوة قانونية رئيسية في مسار إنهاء الصراع، لكنه لا يعني اكتمال العملية، إذ لا يزال القانون بحاجة إلى مصادقة رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية.

وبعد دخوله حيز التنفيذ، يفترض أن تبدأ المؤسسات المشرفة على العملية عملها، فيما ستبقى عملية تسليم السلاح والتحقق من حل التنظيم وتحديد الأشخاص المشمولين بالتأجيل القضائي من أبرز الاختبارات أمام المسار الجديد.

وتشير طبيعة القانون إلى أن أنقرة تربط الاستفادة من الإجراءات القضائية بشكل مباشر بتحقق شرط أساسي يتمثل في إنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكوردستاني وتسليم الأسلحة، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى تنفيذ عملية نزع السلاح وقدرة الأطراف السياسية على الانتقال من مرحلة إنهاء الصراع المسلح إلى معالجة الملفات السياسية والقانونية الأوسع المرتبطة بالقضية الكوردية.