أزمة البنزين في كوردستان.. خلاف بين بغداد وأربيل حول حصة الـ50 ألف برميل

13-08-2026 02:11

برغراف - تصاعد الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة كوردستان بشأن أسباب أزمة البنزين التي تشهدها المنطقة، بعد رفض القائم بأعمال وزير الثروات الطبيعية في حكومة كوردستان كمال محمد صالح رواية وزير النفط العراقي باسم محمد خضير العبادي بشأن الاتفاق الذي حدد حصة الاقليم من النفط الخام المخصص للاستهلاك المحلي بـ50 ألف برميل يوميا.

وقال صالح في بيان إن حكومة كوردستان طالبت باستمرار بتحقيق العدالة في توزيع المشتقات النفطية بين المواطنين، مؤكدا أن حصة اقليم كوردستان من النفط الخام المخصص للاستهلاك المحلي يفترض أن تتجاوز ضعف الكمية الحالية، وفقا لحجم السكان واحتياجاتها.

ووصف صالح حصة الـ50 ألف برميل يوميا بأنها نتيجة "ترتيب مؤقت"، مؤكدا أنها لم تكن خيارا لحكومة كوردستان، ومبديا استعداد حكومة المنطقة للتفاوض بشأن اعتماد آلية تضمن حصول المواطنين على المشتقات النفطية المدعومة وفق عدد السكان، مع الحفاظ على الحقوق الدستورية لكوردستان.

وتأتي هذه التصريحات في تناقض مباشر مع رواية وزير النفط العراقي باسم محمد خضير العبادي، الذي قال في مؤتمر صحفي عقده في بغداد قبل أيام إن حكومة كوردستان هي التي طلبت تخصيص 50 ألف برميل يوميا من النفط الخام للاستهلاك الداخلي، مقابل توليها مسؤولية تكرير النفط وتوفير البنزين والمشتقات النفطية للمواطنين.

وأوضح العبادي أن الاتفاق جاء ضمن اتفاق ثلاثي بين وزارة النفط الاتحادية وحكومة كوردستان والشركات النفطية العاملة في المنطقة، مبينا أن بغداد أبلغت حكومة كوردستان بأن الكمية المخصصة لها هي نفط كان من الممكن أن تذهب إلى التصدير.

وأكد العبادي أن حكومة كوردستان اختارت الحصول على النفط الخام بدلا من الحصول على المنتجات النفطية المدعومة من بغداد، بسبب امتلاكها مصافي نفط، مشيرا إلى أن هذا الترتيب يمكن تعديله من خلال التفاوض بين الطرفين.

وفي المقابل، لم يتضمن بيان وزير الثروات الطبيعية في حكومة كوردستان توضيحا تفصيليا بشأن رواية العبادي المتعلقة بطلب حصة الـ50 ألف برميل في أصل الاتفاق، أو ما إذا كان هناك تغيير في الموقف الرسمي لحكومة المنطقة منذ إبرام الترتيب الثلاثي.

انتقادات من نواب كورد

وتزامن الخلاف مع انتقادات من نواب كورد في بغداد وأربيل، إذ رد النائب عن حركة الموقف غالب محمد علي على بيان وزارة الثروات الطبيعية، مطالبا بأن تكون أي زيادة في حصة النفط الخام موجهة لخدمة المواطنين وليس لمصلحة المصافي والشركات.

وقال غالب محمد إن لديه تحركا نيابيا منذ أشهر بهدف تأمين البنزين بالسعر الاتحادي البالغ 450 دينارا للتر، داعيا إلى استخدام حصة الـ50 ألف برميل الحالية لخدمة المواطنين أو إعادة إدارة الملف إلى وزارة النفط الاتحادية، بحيث تتولى تجهيز المنطقة بالمشتقات النفطية بالأسعار المدعومة.

واتهم النائب جهات في حكومة كوردستان وأعضاء في الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالسعي إلى زيادة الحصة النفطية لتحقيق مصالح مالية، وهي اتهامات سياسية لم تقدم بشأنها أدلة مستقلة في التصريحات المتاحة.

من جانبه، طرح النائب في برلمان كوردستان عن الاتحاد الإسلامي الكوردستاني كاوه علي كريم تساؤلات بشأن الحسابات المتعلقة بحصة النفط وكلفة الإنتاج والتكرير، وقال إن تلبية حاجة المنطقة وبيع البنزين بالسعر الاتحادي قد تتطلب رفع الحصة إلى نحو 130 ألف برميل يوميا، بحسب حساباته.

كما تحدث كريم عن مبالغ مرتبطة بكلف استخراج النفط، وعن توزيع الكمية الحالية بين بعض المصافي، مشيرا إلى وجود اختلافات بين الأرقام التي تعلنها الجهات الحكومية وتلك التي تعلنها الشركات بشأن الطاقات التكريرية.

وتبقى هذه الأرقام والحسابات، بحسب ما هو متاح، جزءا من طرح النائب ولم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.

أسعار البنزين تتجاوز الأسعار الاتحادية

ويأتي الخلاف السياسي في وقت تشهد فيه أسواق الوقود في كوردستان ارتفاعا كبيرا في الأسعار.

وبلغ سعر لتر البنزين الممتاز "سوبر" في بعض محطات أربيل نحو 2400 دينار، فيما وصل سعر البنزين المحسن إلى 2250 دينارا، والعادي إلى 1650 دينارا، في حين بلغ سعر زيت الغاز نحو 1095 دينارا للتر.

وتختلف هذه الأسعار بشكل كبير عن الأسعار المدعومة في بقية المحافظات العراقية، إذ يباع البنزين العادي بـ450 دينارا للتر، فيما يبلغ سعر البنزين المحسن 850 دينارا.

وكانت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة كوردستان قد حددت في 5 آب أسعارا للبنزين، تضمنت بيع البنزين الحكومي بـ750 دينارا للتر، وتحديد سقف للبنزين التجاري عند 850 دينارا، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية بحق المحطات المخالفة.

لكن أصحاب محطات الوقود وتجار المشتقات النفطية اعترضوا على القرار، مؤكدين أن الأسعار المحددة لا تغطي تكاليف الشراء والتشغيل، فيما شهدت بعض المحطات نقصا في الوقود وطوابير طويلة أمام المحطات التي استمرت في التجهيز.

ومع استمرار الأزمة، تراجعت السلطات عن تطبيق سقف سعري صارم، وأصبح تحديد الأسعار أكثر مرونة، مع مطالبة المحطات بعدم استغلال المواطنين، من دون تحديد واضح لمعيار “الاستغلال”.

مقترحات متنافسة في البرلمان الاتحادي

وانتقل ملف أزمة الوقود إلى مجلس النواب العراقي، حيث ظهرت مقترحات مختلفة لمعالجة الأزمة.

ويقود النائب عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني سيبان شيرواني تحركا نيابيا يطالب برفع حصة كوردستان من النفط الخام المخصص للاستهلاك المحلي من 50 ألفا إلى 140 ألف برميل يوميا، أو تعويض الفارق من خلال تجهيز المنطقة بالبنزين الجاهز في حال تعذر رفع الحصة النفطية.

ووفقا للمعلومات المتاحة، جمع المقترح أكثر من 166 توقيعا نيابيا.

في المقابل، تقدم النائب عن حركة الجيل الجديد كاوه عبد القادر حسن بمقترح مختلف يدعو وزارة النفط الاتحادية إلى تجاوز آلية تخصيص النفط الخام، وتجهيز محافظات كوردستان مباشرة بالبنزين والديزل والنفط الأبيض بالأسعار المدعومة نفسها المعمول بها في بقية المحافظات العراقية.

ويطالب المقترح بأن يباع البنزين في كوردستان بالسعر الاتحادي البالغ 450 دينارا للتر، وقد جمع نحو 101 توقيع بحسب المعطيات المتداولة.

ويختلف المقترحان في جوهر المعالجة؛ فالأول يدعو إلى زيادة النفط الخام المخصص للمنطقة مع استمرار التكرير والتوزيع محليا، بينما يطالب الثاني بتجهيز المشتقات النفطية الجاهزة من بغداد مباشرة، بما يلغي الحاجة إلى مرورها عبر منظومة التكرير والتوزيع في كوردستان.

أزمة الوقود بين السياسة والاقتصاد

وتعكس أزمة البنزين الحالية خلافا أوسع بين بغداد وأربيل بشأن إدارة النفط والغاز وتوزيع الموارد والمشتقات النفطية، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى التوصل إلى ترتيبات أكثر استقرارا للملف النفطي.

وبينما تؤكد حكومة كوردستان أن حصة الـ50 ألف برميل لا تتناسب مع عدد السكان واحتياجات المنطقة، تقول بغداد إن هذه الحصة جاءت بناء على خيار حكومة المنطقة ضمن الاتفاق الثلاثي، مقابل توليها مسؤولية توفير المشتقات النفطية للمواطنين.

وفي ظل غياب اتفاق جديد يحسم الخلاف، تبقى أسعار الوقود في كوردستان أعلى بشكل كبير من الأسعار المدعومة في بقية العراق، فيما يستمر الضغط الشعبي والنيابي لإيجاد حل يضمن وصول البنزين إلى المواطنين بأسعار أقرب إلى الأسعار الاتحادية.