بغداد تشدد الرقابة على دعم الوقود وتضع المصافي الخاصة في كوردستان أمام خيارين

19-08-2026 01:24

برغراف - أقر مجلس الوزراء العراقي حزمة قرارات اقتصادية جديدة تستهدف تنظيم آليات دعم المشتقات النفطية ومنع استفادة الشركات التجارية من النفط المدعوم، في خطوة قد تنعكس بصورة مباشرة على سوق الوقود في إقليم كوردستان والمصافي الأهلية العاملة في أربيل والسليمانية ودهوك.

وتتضمن القرارات، التي اتخذت خلال الجلسة الاعتيادية الخامسة عشرة برئاسة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وضع آلية موحدة لاحتساب أسعار النفط الخام المخصص للمعالجة، وإلغاء الدعم المقدم للقطاعات التجارية والصناعية والخاصة غير المرتبط مباشرة بالمواطنين، إلى جانب إخضاع برامج الدعم وتخصيصات النفط المخفضة لرقابة ديوان الرقابة المالية الاتحادي.

وبموجب القرار، يبدأ العمل بالآليات الجديدة اعتبارا من الأول من أيلول 2026، على أن يتم احتساب النفط الخام المخصص للجهات المخولة بالمعالجة وفقا لسعر التصدير الرسمي لشركة تسويق النفط "سومو" أو السعر المحدد في الموازنة الاتحادية، أيهما أقل، مع تحديد سقف الخصم السنوي بنسبة 30 بالمئة.

وتستهدف هذه الخطوة، بحسب القرار، ضبط الفروقات بين أسعار النفط الخام المدعوم وأسعار المشتقات المباعة في الأسواق التجارية، ومنع تحويل الدعم الحكومي إلى أرباح تجارية غير خاضعة للرقابة.

فجوة الأسعار في كوردستان

ويأتي القرار في وقت يشهد فيه سوق الوقود في إقليم كوردستان أزمة حادة، مع اعتماد غالبية المواطنين على المحطات التجارية نتيجة محدودية كميات الوقود المدعوم المتاحة في الأسواق.

وتباع مادة البنزين الاعتيادي في بقية المحافظات العراقية بسعر مدعوم يبلغ 450 دينارا للتر، فيما أعلنت حكومة إقليم كوردستان في وقت سابق أسعارا مدعومة تبدأ من 750 دينارا، إلا أن محدودية الكميات وصعوبة الحصول عليها دفعت المواطنين إلى الاعتماد على الوقود التجاري الذي ارتفعت أسعاره إلى مستويات تجاوزت في بعض المحطات 2000 دينار للتر.

وكانت حكومة الإقليم قد حاولت فرض سقوف سعرية على البنزين التجاري، إلا أن تلك الإجراءات واجهت اعتراضات من أصحاب المحطات والمصافي والتجار، الذين قالوا إن الأسعار المحددة لا تغطي تكاليف الإنتاج والتجهيز، قبل أن تتراجع السلطات عن تطبيقها بصورة كاملة.

وتتركز المخاوف حاليا حول الفارق بين تكلفة النفط الخام المدعوم الذي تحصل عليه بعض المصافي وبين أسعار المشتقات التي تباع في السوق التجارية، وسط انتقادات سياسية تطالب بضمان وصول الدعم إلى المواطنين بدلا من تحوله إلى هامش ربح للشركات.

خياران أمام المصافي الخاصة

ويضع القرار الاتحادي المصافي الخاصة أمام نموذجين في التعامل مع النفط الخام المدعوم.

الأول يتمثل في استمرار العمل ضمن نموذج المعالجة المتعاقد عليها مع الدولة، بحيث تحصل المصافي على النفط الخام بسعر مخفض مقابل تسليم المشتقات الناتجة إلى شبكات التوزيع العامة وبيعها للمواطنين وفقا للأسعار المحددة رسميا.

أما النموذج الثاني فيتمثل في العمل داخل السوق التجارية وبيع المشتقات بأسعار السوق، وفي هذه الحالة لن تكون المصافي مؤهلة للحصول على النفط الخام المدعوم أو المواد الأولية المخفضة، ما يعني شراء احتياجاتها وفقا للأسعار التجارية.

ويهدف هذا الفصل إلى منع الجمع بين الحصول على مدخلات مدعومة من الدولة وبيع المنتجات النهائية بأسعار تجارية غير مقيدة.

رقابة مالية وإجراءات استيراد

كما ألزم القرار الجهات الحكومية بإخضاع برامج الدعم وتخصيصات النفط الخام المخفضة إلى ديوان الرقابة المالية الاتحادي، بهدف وضع سياسة محاسبية موحدة وملزمة ومتابعة استخدام الموارد المدعومة.

وفي الجانب الآخر، أجاز مجلس الوزراء إبرام عقود لمدة ثلاثة أشهر مع شركات متخصصة لتصدير النفط الخام، كما منح وزير النفط صلاحيات طارئة للموافقة على استيراد المشتقات النفطية عند الحاجة، لمنع حدوث نقص في السوق المحلية.

ومن شأن هذه الإجراءات منح الحكومة الاتحادية أدوات إضافية للتعامل مع أي أزمة في الإمدادات، خصوصا في ظل ارتفاع الطلب وتقلبات الأسواق النفطية.

ماذا يعني القرار لكوردستان؟

ويمثل تطبيق القرار تحديا خاصا في إقليم كوردستان، حيث تواجه القوانين والقرارات الاتحادية المرتبطة بالنفط والمال تاريخيا عقبات سياسية وقانونية بسبب الخلافات بين بغداد وأربيل بشأن إدارة الموارد النفطية.

لكن الحكومة الاتحادية تمتلك أدوات ضغط مالية واسعة، من بينها تنظيم التحويلات المالية عبر البنك المركزي، وإجراءات التجارة الخارجية، إضافة إلى التمويل الاتحادي، ما قد يمنحها قدرة أكبر على متابعة الجهات التي لا تلتزم بالآليات الجديدة.

وبذلك يسعى القرار إلى إعادة رسم العلاقة بين النفط المدعوم والسوق التجارية، بحيث يكون الحصول على موارد الدولة المخفضة مرتبطا بالتزام واضح بتوفير المشتقات للمواطنين بأسعار مدعومة، فيما تترك الشركات الراغبة في تحقيق أرباح من السوق التجارية أمام خيار شراء النفط والمواد الأولية بأسعارها الفعلية.

ويترقب سوق الوقود في كوردستان مدى قدرة بغداد على تطبيق هذه الآلية على المصافي والشركات العاملة في الإقليم، خصوصا في ظل استمرار أزمة البنزين وارتفاع الأسعار، وما إذا كان القرار سينجح في نقل الدعم من المصافي والشركات إلى المستهلك النهائي.