بين التعويض والخسارة: ضحايا فيضانات جمجمال يكافحون لإعادة بناء حياتهم

22-12-2025 01:28
متضررو الفيضان خلال استلام التعويضات في جمجمال، ٢٢-١٢-٢٠٢٥.

برغراف – جمجمال

عندما اجتاحت مياه الفيضانات قضاء جمجمال في 9 كانون الأول، لم تترك وراءها شوارع غارقة بالأوحال وواجهات محلات مدمرة فحسب، بل قلبت حياة الناس رأساً على عقب، قضت على سبل عيشهم، وكشفت عن فجوات كبيرة في الجاهزية سبق أن تجاهلت لسنوات. ومع بدء وصول التعويضات لبعض العائلات، يظهر التباين بين من وجدوا بعض الراحة وبين من لا يزالون يحصون خسائرهم، حيث يمنح الأمل للبعض ويثير الإحباط لدى الآخرين.

في حي "ماموستايا"، يقف إبراهيم عمر داخل منزله الذي لا تزال آثار الفيضانات عليه واضحة. دمر الأثاث وتلفت الأجهزة، وتعطلت الحياة اليومية فجأة، ومع ذلك، يعد إبراهيم من بين الأكثر حظاً.

وقال لـ"برغراف": "تم تعويضنا اليوم بمبلغ مليون و500 ألف دينار. إنه مبلغ جيد، ويمكننا استخدامه لاستبدال بعض الاحتياجات المنزلية". بالنسبة لإبراهيم، يمثل هذا التعويض خطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية، حتى لو كان استعادة كل شيء بين عشية وضحاها أمراً مستحيلاً.

على بعد أحياء قليلة فقط، يختلف الوضع كثيراً. في حي "رزكاري" بالقرب من جامع "آشتي"، يتفقد بيستون صباح ما تبقى من ممتلكاته: سجاد تالف، وثلاجة معطلة، ومضخة مياه مدمرة.

وقال بيستون: "لقد تدمرت أجهزتنا الكهربائية وسجادنا بالكامل، وتم تخصيص مليون و125 ألف دينار فقط لنا، وهو مبلغ ضئيل جدا". ويؤكد أن هذا المبلغ لا يغطي حتى تكلفة استبدال سجادة، مطالبا السلطات بمراجعة عملية تقييم الأضرار، مشدداً على أن التعويضات يجب أن تعكس الخسائر الفعلية للعائلات.

ولم تسلم سوق المدينة من الفيضانات، حيث اجتاحت المياه المحلات وغمرت السيارات. يقول أحمد محمد، الذي علقت سيارته في مياه الفيضانات بمنطقة السوق، إن الكارثة وقعت بعد أيام قليلة فقط من شرائه للسيارة.

وأضاف أحمد لـ"برغراف": "اشتريت السيارة قبل ثلاثة أيام فقط من الفيضان. غمرتها المياه بالكامل، وهي الآن في ورشة التصليح منذ 12 يوماً ولم تصلح بعد". سيارته، من طراز "كيا سبورتاج"، تعرضت لأضرار تُقدر قيمتها بأكثر من 5000 دولار. وبينما قيل له إنه سيحصل على تعويض، فإن حالة عدم اليقين تثقل كاهله، قائلاً: "لا أعرف كم سأستلم، لكن أي مبلغ سيساعد في تغطية تكاليف التصليح".

أما أصحاب المحلات، فيواجهون مأساة أكبر. يصف زانا صباح، مدير متجر لبيع الملابس الرجالية في سوق جمجمال، خسائر تتجاوز بكثير الأضرار القابلة للإصلاح.

وقال زانا: "خسائري تتجاوز 70 مليون دينار. تلف كل مخزوني من البضائع، وكان هذا المحل مصدري الوحيد للدخل". ويخشى زانا أنه بدون تعويض مجزٍ سيضطر لإغلاق عمله نهائياً، مطالباً السلطات بالإسراع في توزيع المساعدات، ومعالجة السبب الجذري للكارثة، قائلاً: "يجب إصلاح نظام الصرف الصحي في السوق، وإلا فإن الفيضانات ستتكرر".

كان قضاء جمجمال، إلى جانب ناحيتي شورش وتكية، من بين الأكثر تضرراً من الأمطار الغزيرة، حيث أودت الفيضانات بحياة شخصين على الأقل، وأصابت 12 آخرين، وألحقت أضراراً واسعة بعشرات المنازل والمحلات والسيارات والمباني الحكومية. وسرعان ما تجاوز حجم الدمار قدرة آليات الاستجابة المحلية، مما أثار غضباً شعبياً ودعوات للمحاسبة.

وأوضح عطا محمد، سكرتير مكتب نائب رئيس حكومة إقليم كردستان ورئيس لجنة الإغاثة وإعادة الإعمار في جمجمال، أن الأموال المتاحة لضحايا الفيضانات تبلغ نحو 13 مليار دينار، وأن التعويضات تتراوح بين 400 ألف و4 ملايين و950 ألف دينار، حسب شدة الضرر.

وأشار عطا محمد: "يتم تحديد المبلغ وفق حجم الخسائر التي تكبدتها العائلة، فهناك أشخاص تعرضوا لخسائر في منازلهم وسياراتهم وأماكن عملهم، وهؤلاء سيكونون مؤهلين للحصول على جميع أنواع التعويضات".

تم تقسيم عملية التعويض إلى مراحل، تركز المرحلة الأولى على المستلزمات المنزلية الأساسية وإصلاح المنازل. ففي 22 كانون الأول/ديسمبر، من المقرر أن تتسلم 639 عائلة داخل مدينة جمجمال مبلغاً إجمالياً قدره 861,345,000 دينار. وفي اليوم التالي، ستتسلم 445 عائلة في ناحية شورش مبلغ 772,377,000 دينار، و210 عائلات في ناحية تكية ستحصل على 248,220,000 دينار، بينما ستحصل ثماني عائلات في ناحية آغجلر على 6,300,000 دينار. أما المرحلة الثانية، والمقرر تنفيذها قبل رأس السنة الجديدة، فستشمل تعويضات السيارات والمحلات والمواقع التجارية.

بعيدا عن الكلفة الإنسانية، أثارت الفيضانات محاسبة سياسية وإدارية، إذ كشفت عن أوجه قصور خطيرة في الاستعدادات المحلية والاستجابة للطوارئ، مما دفع أربعة مسؤولين كبار لتقديم طلبات رسمية لإعفائهم من مهامهم، شملت قائمقام قضاء جمجمال، ورئيس بلدية جمجمال، ومدير تربية جمجمال، ومدير ناحية شورش. وبينما رفض مدير ناحية شورش الاستقالة، قامت السلطات العليا لاحقاً بإعفائه، وتكليف مدير ناحية سنكاو مؤقتاً بالإشراف على شؤون شورش.

وفي 21 كانون الأول، تولى آسو بكر رسميا مهام قائمقام جمجمال بالوكالة، خلفاً لرامك رمضان الذي استقال عقب الفيضانات. بالتوازي مع ذلك، أعلنت السلطات عن تشكيل مجلس واسع للإشراف على توزيع المساعدات، يضم شخصيات محلية ونشطاء مدنيين ومؤسسات حكومية ذات صلة، وتم تعيين القاضي أحمد أنور، رئيس هيئة النزاهة في إقليم كردستان، رئيساً للمجلس.

بالنسبة لسكان مثل إبراهيم وبيستون وأحمد وزانا، تمنح هذه التغييرات الإدارية وآليات الرقابة أملا حذرا. لكن مع اشتداد الشتاء وتزايد الخسائر، يصر الكثيرون على أن التعافي الحقيقي لن يعتمد على التعويضات فحسب، بل على إصلاحات دائمة تمنع الفيضانات المستقبلية من جرف الأرواح وسبل العيش مرة أخرى.