برغراف - وهي ترتدي الزي الكوردي التقليدي وتحمل كيسا من ثمار البلوط، تصعد اسماء، البالغة من العمر 23 عاما، سفوح جبل كواوه في قضاء بنجوين التابعة لمدينة السليمانية، تتوقف بين الحين والاخر لتحفر حفر صغيرة في التربة، وتغرس فيها ثمار البلوط، بمساعدة متطوعين اخرين يشاركونها هدفا واحدا هو اعادة الحياة الى الغابات المتضررة.
اسماء واحدة من مئات المتطوعين المشاركين في حملة زاغروسانا، وهي مبادرة بيئية شعبية تضم مشاركين من مختلف مناطق اقليم كوردستان، لا سيما من محافظة السليمانية. وفي صباح خريفي من عام 2025، تجمع المتطوعون في جبال بنجوين لتنفيذ احدى مراحل الحملة.
تقول اسماء في حديثها لموقع برغراف: اضع كل ثمرة بلوط في التراب على امل ان تنمو وتتحول الى شجرة. اسماء خريجة كلية التمريض في جامعة السليمانية، وانضمت الى الحملة بعد ان سمعت عنها من احدى صديقاتها. وعلى الرغم من خلفيتها الطبية، ترى ان حماية البيئة مسالة اساسية، وقد تمكنت خلال يوم واحد من زراعة عدد كبير من ثمار البلوط.
تشكل فعالية بنجوين المرحلة الثالثة من حملة زاغروسانا. المرحلة الاولى انطلقت في منطقة قرداغ بمشاركة 150 متطوعا قاموا بزراعة 10 الاف ثمرة بلوط، تلتها مرحلة ثانية في دربنديخان شارك فيها 200 متطوع وزرعوا 15 الف ثمرة.
وقالت شلير صمد، منسقة شبكة زاغروسانا، لموقع برغراف، ان 400 شخص شاركوا في حملة بنجوين، حيث تمت زراعة نحو 20 الف ثمرة بلوط. واشارت الى ان البذور قدمها المتطوعون انفسهم، مؤكدة ان الحملة ستتوسع لتشمل مناطق اخرى.
تاسست زاغروسانا عام 2018 وتهدف الى تشجير واعادة احياء البيئات الواقعة على امتداد جبال زاغروس. ولا تقتصر انشطتها على السليمانية، بل تمتد الى مناطق في كوردستان الشمالية والغربية والشرقية. وعادة ما تنفذ هذه الحملات خلال فصل الخريف وتستمر لمدة شهر تقريبا.
اسم زاغروسانا مشتق من جبال زاغروس مضافا اليه اللاحقة الكوردية انا، والتي تعني على طريقة او نهج. ويعكس الاسم التزاما بحماية البيئة المحلية وزراعة الانواع الاصلية، لا سيما اشجار البلوط التي تشكل عنصرا اساسيا في النظام البيئي للمنطقة.
وقالت شلير صمد: منذ عام 2018 كنا نعمل بشكل فردي او ضمن مجموعات صغيرة، مثل فرق تسلق الجبال التي كانت تزرع البلوط اثناء رحلاتها. اما هذا العام فقد توسعت الشبكة وشاركت خمس مراكز ومنظمات. واوضحت ان الوضع الاقتصادي الصعب يشكل تحديا، اذ يتحمل المشاركون تكاليف النقل والطعام بانفسهم.
وبحسب الاحصاءات الرسمية، تبلغ المساحة الاجمالية للغابات في اقليم كوردستان، الطبيعية والصناعية، نحو مليونين وخمسمئة واثنين واربعين الفا وتسعمئة وثلاثة وتسعين دونما، منها 35 الفا و472 دونما غابات صناعية.
من جانبها، عبرت ساريز عزيز، البالغة من العمر 53 عاما ومن سكنة كوردستان الشرقية والمقيمة في السليمانية منذ ثماني سنوات، عن سعادتها بالحملة. وقالت: اريد ان اجعل وطني اخضر. ووجهت رسالة الى المواطنين بعدم حرق الاشجار او قطعها حتى في حال عدم المشاركة في التشجير.
واوضحت عزيز، التي تدير مجموعة بيئية وتسلق جبال، ان الزراعة بالبذور اكثر نجاحا من زراعة الشتلات، لان البذور تنمو جذورها بشكل طبيعي في التربة ذاتها.
وبسبب التغير المناخي، ارتفعت المعايير الدولية لنسبة المساحات الخضراء من 15 بالمئة الى 25 بالمئة. وبحسب بيانات هيئة البيئة، تبلغ نسبة الغطاء الاخضر في اقليم كوردستان، بما يشمل الغابات والمناطق الحضرية، نحو 20 بالمئة.
وقالت يريفان شاسوار، الخبيرة في الزراعة وتلوث الهواء وواحد من منظمي الحملة، ان لثمار البلوط شروطا خاصة للزراعة. واشار في حديثه لموقع برغراف الى ضرورة وضع الثمرة باتجاه الاسفل او بشكل افقي، وتغطيتها بطبقة من التراب بعمق 10 الى 15 سنتيمترا لحمايتها من الانجراف والحيوانات.
واضاف: سواء نمت ثمرة البلوط او التهمتها الحيوانات البرية، فالنتيجة واحدة بالنسبة لنا، فهي جزء من احياء الطبيعة.
ووفقا لتحذيرات الامم المتحدة، يعد العراق، بما فيه اقليم كوردستان، من اكثر الدول تضررا بالتغير المناخي، حيث تفقد المنطقة سنويا عشرات الاف الدونمات من الاراضي الزراعية والغابات، الى جانب كوارث بيئية اخرى.
من جهته، قال اواره احمد، مدير الغابات والمراعي في السليمانية، ان مجموعة زاغروسانا لم تنسق رسميا مع المديرية، لكنه اكد ان اي عمل منظم وعلمي في هذا المجال يعد امرا ايجابيا. واشار الى نقص الكوادر وضغط العمل، موضحا ان المديرية تفتقر الى احصاءات دقيقة حول حجم الاضرار او التعافي الطبيعي للغابات.
وفي تموز 2025، دمرت الحرائق اكثر من خمسة الاف دونم من الغابات الطبيعية في حلبجة، في واحدة من اكبر الكوارث البيئية خلال السنوات الاخيرة.
ورغم صعوبة تحديد نسبة نجاح الحملة في ظل غياب دراسات رسمية، تسعى زاغروسانا الى زيادة فرص النجاح عبر زراعة البذور المحلية في مناطقها الاصلية، حيث تزرع ثمار بلوط بنجوين في بنجوين، وبذور بارانان في منطقتها.
وقال شاسوار: اخترنا البلوط لان جبال كوردستان هي موطنه الطبيعي، وهو شجر قوي ومتكيف مع البيئة ولا يحتاج الى عناية كبيرة.
واختتمت شيلر صمد بالقول: اذا نمت الف ثمرة فقط من اصل عشرة الاف، فهذا نجاح كبير بالنسبة لنا وسبب حقيقي للفرح.