برغراف تحليل — لم تنفجر الازمة السياسية الاخيرة في بغداد بشكل مفاجئ، بل تشكلت تدريجيا عبر سلسلة من الانسحابات المحسوبة، والتنافسات الصامتة، والخطوط الحمراء الخارجية، الى ان جاء تحذير صريح من واشنطن ليضع البيت الشيعي الحاكم امام اخطر معضلة سياسية منذ سنوات. واليوم، ومع دخول القضاء وتحركات الكتلة السياسية لرئيس الوزراء على خط الازمة، لم يعد الخلاف مجرد صراع فصائلي، بل تحول الى اختبار حقيقي للنظام الدستوري العراقي ولمعادلاته الخارجية.
في قلب هذه العاصفة يقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الاسبق، الذي لا يزال ظله الثقيل يقسم الطبقة السياسية في العراق. فظهوره المفاجئ كمرشح رسمي للاطار التنسيقي الشيعي، بعد انسحاب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بدا في ظاهره محاولة لاعادة انتاج نظام قديم. لكنه في الواقع كشف حدود السيادة العراقية في ظل اقتصاد مرتبط بالولايات المتحدة، ونظام سياسي يعاني من تصدعات داخلية عميقة.
انسحاب غير موازين القوة
كان التنافس بين السوداني والمالكي على ترشيح البيت الشيعي شديدا، لكنه بقي ضمن حدود محسوبة. وعندما انسحب السوداني بشكل مفاجئ، ممهدا الطريق امام المالكي، فسر كثيرون الخطوة على انها ليست هزيمة، بل مناورة سياسية. بعض المحللين في بغداد وصفوها بانها انسحاب اختباري، هدفه قياس حجم الرفض الداخلي والخارجي قبل الحسم النهائي.
هذا الرفض لم يتاخر، وجاء حاسما، من واشنطن، فعندما وجه الرئيس الاميركي دونالد ترامب تحذيرا علنيا، وصفه سياسيون عراقيون بانه بطاقة حمراء، تحول ترشيح المالكي من حساب داخلي شيعي الى ازمة وطنية ودولية. وفي الوقت نفسه، اعاد هذا الموقف احياء الدور السياسي للسوداني، ليعود اسمه مجددا كخيار محتمل، لا بسبب التوازنات البرلمانية، بل بفعل الواقع الجيوسياسي.
مرشح بلا اجماع
رغم اعلان الاطار التنسيقي حصول المالكي على دعم الاغلبية، الا ان ترشيحه لم يعكس في اي مرحلة اجماعا وطنيا او توافقا عابرا للمكونات. تحقيق لبرغراف يظهر ان الدعم لعودته كان متقطعا ومحكوما بحسابات ضيقة، ما كشف عن انقسامات واضحة داخل مراكز القوى الرئيسية.
في الجانب الكوردي، انحاز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود بارزاني الى ترشيح المالكي، وسارع عدد من افراد العائلة البارزانية الى تهنئته. في المقابل، التزم الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة بافل طالباني مسافة واضحة، اذ جاء موقفه متاخرا ومقتضبا، واعتبر في بغداد مؤشرا على التحفظ لا الدعم.
على المستوى السني، كان الرفض اكثر وضوحا، اذ اعلن رئيس تحالف تقدم محمد الحلبوسي معارضته الصريحة لعودة المالكي، في تعبير عن مخاوف سنية واسعة من استعادة مرحلة ارتبطت بالاقصاء السياسي وتفكك مؤسسات الدولة.
اما داخل البيت الشيعي نفسه، فلم يكن المالكي محل اجماع. فاضافة الى خصمه المباشر محمد شياع السوداني، برز موقف معارض من عمار الحكيم، ما عزز الانطباع بان المالكي يفتقد الحد الادنى من الوحدة الداخلية المطلوبة للحكم.
وفي نظام سياسي قائم على التوازن والتوافق لا على الحساب العددي وحده، تصبح هذه الانقسامات عاملا حاسما، اذ ان اي رئيس وزراء يصل بلا قبول واسع سيكون محكوما بالشلل منذ اليوم الاول.
الاقتصاد كسلاح ضغط
ما يرفع الازمة من مستوى الجمود السياسي الى مستوى التهديد الوجودي هو هشاشة الوضع الاقتصادي. فغالبية عائدات النفط العراقية محفوظة بالدولار وتخضع لاشراف اميركي، وهو ترتيب لطالما اعتبر تقنيا، لكنه تحول اليوم الى اداة ضغط مركزية.
المؤشرات الاولى واضحة في السوق. فالدولار يتداول في الشارع بنحو 154 الف دينار لكل 100 دولار، مقابل سعر رسمي يبلغ 132 الفا، اي بفارق يتجاوز 20 الف دينار. اي تشديد اميركي اضافي على التحويلات سيقود الى تدهور حاد في قيمة الدينار، وما يرافقه من تضخم واحتجاجات اجتماعية.
بالنسبة لصناع القرار في بغداد، لم تعد مواجهة واشنطن مسالة سيادة رمزية، بل مقامرة اقتصادية قد لا تتحملها الدولة.
ترامب وايران والساحة العراقية
يفهم الرفض الاميركي لترشيح المالكي في بغداد كجزء من استراتيجية اوسع تهدف الى تقليص النفوذ الايراني في العراق. ترامب كان واضحا في رفضه لاي دور للفصائل المسلحة الموالية لايران داخل الحكومة المقبلة.
ويمثل المالكي، الذي حكم بين 2006 و2014، مرحلة تعمق فيها النفوذ الايراني وتفككت مؤسسات الدولة، ما مهد لاحقا لظهور داعش. لذلك جاء موقف ترامب مباشرا: عودة المالكي تعني سحب الدعم الاميركي.
حتى الشعار الذي ختم به ترامب موقفه، اجعلوا العراق عظيما مرة اخرى، ورغم طابعه الاستعراضي، حمل رسالة سياسية شديدة الوضوح.
كتلة السوداني ترسم مسارا مختلفا
في خضم هذه التطورات، اصدرت كتلة الاعمار والتنمية بقيادة السوداني بيانا لافتا، ليس فقط بما ورد فيه، بل ايضا بما تجنبه. البيان اكد المسؤولية الدستورية في اختيار شخصيات قادرة على ادارة الازمات، وشدد على ان تشكيل الحكومة يجب ان يعكس ارادة الناخبين.
اللافت ان البيان لم يدافع عن المالكي، بل ركز على اهمية علاقات متوازنة وايجابية مع الدول الصديقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، على اساس الاحترام المتبادل والمسارات الدستورية. في بغداد، قرئ هذا الموقف كاشارة ابتعاد عن التصعيد مع واشنطن، وكتلميح الى ان معسكر السوداني يقدم نفسه بديلا اكثر قبولا.
القضاء يدخل على الخط
وسط المناورات السياسية، تدخل القضاء العراقي بتحذير نادر اللهجة. ففي 29 كانون الثاني 2026، عقد مجلس القضاء الاعلى اولى جلساته للعام الجديد، برئاسة القاضي فائق زيدان، مؤكدا ضرورة الالتزام الصارم بالمواعيد الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء.
وحذر المجلس من اي خرق قد يهدد الاستقرار السياسي والمسار الديمقراطي، مشددا على ان استكمال تشكيل الحكومة ضمن المدد الدستورية واجب وطني، ومشيرا بشكل غير مباشر الى مخاطر فتح الباب امام التدخلات الخارجية.
اطار تنسيقي عالق بين خسارتين
اليوم، يقف الاطار التنسيقي امام خيارين احلاهما مر. اما التخلي عن المالكي، بما يعنيه ذلك من اعتراف بان الضغط الخارجي قادر على كسر القرار الداخلي، او المضي بترشيحه، مع ما يحمله ذلك من مخاطر العقوبات والعزلة والازمة الاقتصادية.
المؤشرات على الارتباك واضحة. فبعد اجتماع موسع عقده الاطار في 28 كانون الثاني 2026 عقب موقف ترامب، لم يصدر اي بيان يوضح التمسك بالترشيح او التراجع عنه، في سابقة تعكس حجم الانقسام الداخلي.
وفيما يبدو ان الاطار يحاول كسب الوقت، فان استمرار المالكي في المواجهة قد يدفع داعميه الى الانسحاب الصامت، ليموت ترشيحه تدريجيا دون اعلان رسمي، ما لم يتحول الضغط الى تفاوض او تتغير المعادلة الدولية.
هذا الانسداد امتد الى ملف رئاسة الجمهورية، الذي يعد استحقاقا كورديا. فقد اجل الخلاف الكوردي جلسة 27 كانون الثاني، ومع اقتراب 1 شباط، وهو اخر موعد دستوري، تبدو فرص عقد الجلسة ضعيفة في ظل غياب اسم واضح لرئيس الوزراء.
وبحسب الدستور، يتعين على رئيس الجمهورية تكليف مرشح رئاسة الوزراء فور انتخابه، ما جعل منصب الرئاسة نفسه رهينة لهذا الصراع.
التحدي بين المواجهة والنهاية
اختار المالكي طريق المواجهة، مقدما موقفه كدفاع عن الارادة الوطنية. لكن السيادة في عراق اليوم لم تعد قرارا سياسيا مجردا، بل معادلة معقدة تحكمها التبعية الاقتصادية، والضغوط القضائية، والانقسامات الداخلية.
وبين ماض مثقل بالجدل، ومستقبل يبحث عن الاستقرار عبر التوافق، يقف العراق على مفترق طرق حاسم. فالنتيجة لن تحدد فقط من يحكم، بل ايضا كيف تمارس السلطة، وتحت اي شروط، في نظام اقليمي ودولي لا يرحم الدول الهشة.