توم باراك.. ملفات إبستين والقضية الكوردية

05-02-2026 09:38

 برغراف — بالنسبة لكثير من الكورد، لم يعد اسم توم باراك مجرد اسم دبلوماسي أمريكي رفيع، بل أصبح رمزا لتعميق مشاعر عدم الثقة؛ تعبيرا عن قناعة متزايدة بأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تميل بصورة متزايدة نحو أنقرة، وأن التزامات واشنطن تجاه شركائها الكورد باتت خاضعة لإعادة تقييم صامتة.

وقد تصاعد هذا الشعور في الأيام الأخيرة مع عودة اسم باراك إلى الواجهة بعد ظهوره في سجلات وزارة العدل الأمريكية التي أفرج عنها مؤخرا، والمتعلقة بالممول الراحل والمدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

يشغل باراك، وهو ملياردير في قطاع العقارات وأحد المقربين منذ زمن طويل من الرئيس دونالد ترامب، موقعا مؤثرا بشكل غير معتاد في السياسة الخارجية الأمريكية. فهو يشغل في الوقت نفسه منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا، وسط توقعات بتوسيع نطاق مهامه ليشمل ملف العراق. وقليل من المسؤولين الأمريكيين يملكون نفوذا مشابهًا على مستقبل شمال شرقي سوريا، حيث لا تزال القوات التي يقودها الكورد تسيطر على مناطق واسعة تعرف كورديا باسم "روجافا".

ويعد باراك شخصية مثيرة للجدل في الأوساط الكوردية. فقد فسرت تصريحاته العلنية وتحركاته الدبلوماسية خلال العام الماضي على نطاق واسع باعتبارها متماهية مع الأولويات التركية، ولا سيما إصرار أنقرة على اعتبار (قوات سوريا الديمقراطية- قسد) — الشريك الرئيسي لواشنطن في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية — امتدادا لحزب العمال الكوردستاني المصنف إرهابيا لدى تركيا.

نمط من الجفاء

يقول مسؤولون أكراد ونشطاء في المجتمع المدني إن قلقهم لا يعود إلى تصريح واحد بقدر ما ينبع من تحول تراكمي في نبرة الخطاب. فمنذ توليه منصب المبعوث الخاص إلى سوريا، ركز باراك بشكل لافت على ما وصفه بـ"المخاوف الأمنية المشروعة" لتركيا، مع تجنب شبه تام للإشارة العلنية إلى الإدارة الذاتية الكوردية أو مطالبها السياسية.

وفي مقابلات وإحاطات غير رسمية تداولتها وسائل إعلام إقليمية، يشير قادة الکورد إلى أن هذا التحول في الخطاب تزامن مع تغييرات ملموسة على الأرض، من بينها تصاعد الضربات الجوية التركية، وتطبيع العمليات العسكرية العابرة للحدود، وشعور متنامٍ بأن واشنطن لم تعد راغبة في أداء دور قوة الردع الفعلية.

ورغم نفي باراك المتكرر للاتهامات بأنه يعمل لصالح أنقرة، يرى منتقدوه أن جمعه بين منصبي السفير في تركيا والمبعوث إلى سوريا يطمس حدودا دبلوماسية يفترض أن تبقى منفصلة، لا سيما عندما تتعارض مصالح حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الميدانيين.

وثائق إبستين

تزامن تجدد الاهتمام بدور باراك مع الإفراج، في 30 يناير، عن ملايين الصفحات من سجلات وزارة العدل الأمريكية المتعلقة بجيفري إبستين، والتي نُشرت بموجب قانون للشفافية أقره الكونغرس العام الماضي. وتشمل هذه السجلات رسائل بريد إلكتروني، وجداول زمنية، وقوائم اتصال تمتد لعقود.

وتظهر الوثائق تبادلات إلكترونية بين إبستين وباراك تعود إلى عامي 2016 و2017، وهي فترة كان فيها باراك يقدم المشورة لحملة دونالد ترامب الرئاسية، ثم يترأس لاحقا لجنة تنصيب الرئيس. وفي رسالة عام 2016، طلب إبستين من باراك "إرسال صور لك وللطفل — اجعلني أبتسم"، ليرد لاحقا: "الصور تبدو جيدة".

ولا توضح الوثائق المقصود بكلمة "طفل"، ولا طبيعة الصور التي أرسلت إن وجدت. كما أن باراك لم يكن يشغل أي منصب حكومي في ذلك الوقت. وأكدت وزارة العدل أن إدراج الأسماء في هذه السجلات لا يعني بالضرورة تورطا في سلوك إجرامي، ولا توجد أي اتهامات تربط باراك مباشرة بجرائم إبستين الجنسية.

كما تكشف السجلات عن تبادل رسائل تتعلق بدعوات عشاء، وتعريفات تجارية، وترتيب لقاءات مع شخصيات نافذة في المال والسياسة. وفي إحدى الحالات، سهل إبستين لقاء بين باراك والمستثمر التكنولوجي بيتر ثيل، كما شجع بيل غيتس على مقابلته، واصفا إياه بشخصية محورية في واشنطن.

وبالنسبة لمراقبين الکورد ينظرون أصلا بريبة إلى دور باراك، عززت هذه الإفصاحات صورة دبلوماسي غارق في شبكات النخبة العالمية، حيث يتقاطع المال والنفوذ بعيدا عن الرقابة العامة.

تاريخ من الجدل

ليست التساؤلات حول قرب باراك من مراكز القوة أمرا جديدا. ففي عام 2021، وجهت إليه تهمة العمل كوكيل غير مسجل لدولة الإمارات العربية المتحدة أثناء ممارسته ضغوطا سياسية على إدارة ترامب، قبل أن تتم تبرئته في العام التالي. ورغم عدم ارتباط تلك القضية بوثائق إبستين، فإنها غذت مخاوف أوسع بشأن تداخل المصالح التجارية الخاصة مع الحكومات الأجنبية وصنع القرار الأمريكي.

وبالنسبة لكثير من الكورد، تشكل هذه الوقائع نمطا متكررا. فهم يرون في باراك دبلوماسيا تشكلت مقاربته عبر علاقات مع دول تعتبر الحكم الذاتي الكوردي تهديدا استراتيجيا، أكثر مما تشكلت عبر اعتبارات حقوق الإنسان أو الشراكة طويلة الأمد.

اختبار للثقة

لم يؤد توقيت الكشف عن وثائق إبستين إلى خلق الإحباط الكوردي بقدر ما أدى إلى تكثيفه. ففي شمال شرقي سوريا، حيث لا تزال القوات الأمريكية تعمل إلى جانب الوحدات التي يقودها الكورد، بات الإحساس بالتخلي واضحا بالفعل. ويرى قادة أكراد أن القرارات المتعلقة بأمنهم ومستقبلهم السياسي تتخذ على نحو متزايد من قبل مسؤولين تقع أولوياتهم في مكان آخر.

ولا يزال باراك أحد أقرب حلفاء الرئيس ترامب، ويحظى بتقدير في واشنطن لما يوصف بقدرته على عقد الصفقات وبناء العلاقات الإقليمية. ولم يشر البيت الأبيض إلى أن الكشف عن وثائق إبستين سيؤثر على مكانته السياسية، وينظر إلى الملف في العاصمة الأمريكية على أنه قد أغلق.

لكن في المناطق الكوردية — من أربيل والسليمانية إلى قامشلو — لا يبدو الأمر منتهيا. فهناك، أصبح اسم توم باراك اختزالا لقلق أعمق: أن الولاء في زمن الحرب لا يضمن الحماية في زمن السلم.

ومع إعادة الولايات المتحدة ضبط دورها في شرق أوسط مضطرب، يقول كثير من الكورد إن السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كان توم باراك قد عرف جيفري إبستين، بل ما إذا كانت واشنطن تدرك تماما ما قد تخسره حين تبتعد عن شركاء خاضوا حروبها ذات يوم.