برغراف — تحولت سياسة توزيع قطع الاراضي السكنية في اقليم كوردستان، التي تهدف الى مكافاة الموظفين الحكوميين، الى مصدر قلق متصاعد لدى المكونات الدينية والقومية، ولا سيما المسيحيين والايزيديين، الذين يرون في هذه الخطوات تهديدا مباشرا قد يقود الى تغيير ديمغرافي في مناطقهم التاريخية.
ومع ان حملة توزيع الاراضي تشمل جميع محافظات الاقليم، الا انها واجهت رفضا واسعا في محافظة دهوك بالدرجة الاولى، تليها اربيل، بسبب حساسية المناطق المشمولة بالتوزيع وتركيبتها السكانية.
مناطق حساسة
في محافظة دهوك، جرت حتى الان جولتان من توزيع الاراضي، شملتا قرابة الفي قطعة، تركز معظمها في قضاء سميل، وهو من المناطق التي يقطنها الايزيديون والمسيحيون.
وقال مختار قرية باختمي المسيحية، شموئيل زايا، في تصريح لبرغراف، ان هذه الاراضي تعود ملكيتها لاهالي المنطقة وفق القانون وجميع الاجراءات الرسمية، مؤكدا رفضهم لاي محاولة للاستيلاء عليها او تحويل الاراضي الزراعية الى سكنية.
وتعد باختمي من القرى المسيحية القديمة في قضاء سميل، وتبلغ مساحتها اكثر من 5500 دونم. وبعد ان كانت تضم اكثر من 5000 عائلة، لم يتبق فيها اليوم سوى نحو 100 عائلة فقط.
وبحسب احصاءات رسمية، انخفض عدد المسيحيين في العراق الى اقل من 300 الف نسمة، بعد ان كان يتجاوز 1.5 مليون قبل عام 2003، فيما اجبرت غالبيتهم على النزوح او الهجرة بعد عام 2014 بسبب تنظيم داعش.
ويعتمد من تبقى من سكان باختمي على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، خصوصا زراعة الحنطة والشعير، وتؤكد مصادر محلية ان الاراضي مسجلة رسميا وتم شراؤها من الحكومة العراقية منذ عقود.
واضاف زايا ان محاولات ايقاف توزيع الاراضي في المناطق المسيحية وصلت الى برلمان اقليم كوردستان والى المجتمع الدولي، محذرا من ان الاستمرار بهذه السياسات قد يؤدي الى افراغ القرى بالكامل من سكانها الاصليين.
قلق ايزيدي متجدد
ولا يختلف المشهد في المناطق الايزيدية. تقول شكري رشيد، وهي ايزيدية من ناحية خانكي التابعة لقضاء سميل، ان محاولات تغيير التركيبة السكانية في المناطق الايزيدية ليست جديدة، وتركز بشكل خاص في المناطق الحدودية ومجمع شارية.
واضافت في حديثها لبرغراف ان الايزيديين دافعوا عن اراضيهم تاريخيا ومستعدون لفعل ذلك مجددا، مشيرة الى احتجاجات اندلعت مؤخرا بعد تخصيص 41 قطعة ارض لموظفين مسلمين ومسيحيين في المنطقة.
وتضم ناحية خانكي 18 قرية، ويبلغ عدد سكانها اكثر من 10 الاف نسمة، غالبيتهم من الايزيديين. وقبل عام 2014، كان عدد الايزيديين في العراق نحو 550 الفا، نزح منهم 360 الفا، فيما هاجر اكثر من 100 الف الى خارج البلاد، بحسب احصاءات حكومة الاقليم.
قانون يحظر التغيير الديمغرافي
وبموجب قانون حماية حقوق المكونات في اقليم كوردستان، يحظر اي اجراء او سياسة تؤدي الى تغيير ديمغرافي في المناطق التي تسكنها اقليات قومية او دينية محددة.
ورغم تشكيل لجان حكومية في اعوام 2018 و2020 و2021 لمعالجة قضايا الاراضي المسيحية، الا ان المشكلة ما زالت قائمة، وسط ما تصفه المديرية العامة لشؤون المسيحيين بحالة من فقدان الامل في حلول جذرية.
وقال خالد جمال، مدير شؤون المسيحيين في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية بحكومة الاقليم، لبرغراف ان قضايا التغيير الديمغرافي تطال مناطق في دهوك واربيل، بما فيها عنكاوا والاراضي القريبة من مطار اربيل الدولي، مشيرا الى ان بعض المتضررين حصلوا على تعويضات فيما لا يزال اخرون بانتظار الحل.
واوضح جمال ان هذه الملفات تحظى باهتمام دولي، وترد في تقارير سنوية لمنظمات مثل منظمة العفو الدولية، مؤكدا ان المشكلة باتت تهدد التعايش وبقاء المجتمعات الاصلية في مناطقها.
مطالب سياسية متصاعدة
وفي هذا السياق، اصدرت اربعة احزاب سياسية مسيحية بيانا مشتركا طالبت فيه بوقف تحويل الاراضي الزراعية في المناطق المسيحية، واعادة الاملاك الى اصحابها الاصليين وفق القانون.
كما عبرت قوى سياسية ايزيدية عن مخاوف مماثلة. وقال خال علي، المتحدث باسم تحالف القضية الايزيدية في سنجار، لبرغراف انهم لا يعارضون مكافاة الموظفين، لكنهم يرفضون ان يتم ذلك على اراض ايزيدية.
واشار علي الى قضاء شيخان، الخاضع لادارة دهوك، كمثال على التغيير الديمغرافي، حيث تحول الايزيديون من اغلبية الى اقلية، محذرا من تكرار السيناريو في مناطق اخرى.
ويحظر الدستور العراقي تملك الاراضي لاغراض التغيير الديمغرافي. واوضح خالد جمال ان الاراضي في الاقليم تنقسم الى ملك صرف واراض مملوكة للدولة لكنها مزروعة من قبل عائلات منذ عقود.
وختم بالقول ان تنفيذ الاحكام القضائية غالبا ما يواجه عراقيل بسبب النفوذ الاجتماعي والمحسوبية، مؤكدا ان اعادة الحقوق الى اصحابها تمثل اختبارا حقيقيا للعدالة وسيادة القانون في اقليم كوردستان.