حصري برغراف؛ المالكي يطرح تمديد حكومة السوداني لعامين تمهيدا لانتخابات مبكرة بعد رفض ترامب
برغراف — كشفت مصادر سياسية رفيعة المستوى عن طرح قدمه رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي، المرشح الرسمي للاطار التنسيقي لتشكيل الحكومة الجديدة، يقضي بتمديد عمل حكومة محمد شياع السوداني الحالية لمدة عامين، تمهيدا لاجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وذلك في ظل تعثر المفاوضات السياسية واشتداد الضغوط الخارجية.
وبحسب ثلاثة مصادر سياسية كوردية وعربية في بغداد، فان مقترح المالكي جاء في اعقاب الموقف العلني للرئيس الاميركي دونالد ترامب الرافض لعودته الى رئاسة الوزراء، في خطوة تهدف الى كسر حالة الجمود السياسي واعادة خلط الاوراق داخل العملية السياسية، من خلال الذهاب الى انتخابات مبكرة قد تعيد التوازنات لصالحه.
واشارت المصادر الى ان المالكي يرى في تمديد حكومة السوداني مخرجا مرحليا لتجنب صدام مباشر حول تسمية رئيس الوزراء الجديد، وفي الوقت ذاته تهيئة الارضية لانتخابات جديدة تعيد تشكيل الخريطة البرلمانية.
وقال مصدر سياسي رفيع لبرغراف ان “المالكي يطالب بانتخابات مبكرة، ولتحقيق ذلك يقترح استمرار حكومة السوداني الحالية لمدة عامين”، لافتا الى ان هذا الطرح يواجه اعتراضات واضحة داخل الاطار التنسيقي نفسه، حيث تخشى قوى عديدة من تبعات العودة الى صناديق الاقتراع.
وتتمثل هذه المخاوف، بحسب المصادر، في خشية بعض الاحزاب من تراجع شعبيتها مقارنة بانتخابات تشرين الثاني 2025، ومن بينها قوى فاعلة داخل الاطار مثل عصائب اهل الحق بزعامة قيس الخزعلي. كما تخشى اطراف اخرى من عودة التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر الى المشهد السياسي بقوة، بعد انسحابه السابق من البرلمان.
وتضاف الى ذلك تعقيدات دستورية، اذ ان ثمانية وزراء من حكومة السوداني الحالية باتوا نوابا في البرلمان بعد ادائهم اليمين الدستورية، ما يعني شغور مناصبهم الوزارية، وهو ما يثير اشكالات قانونية حول امكانية تمديد حكومة منقوصة الصلاحيات.
وعلى الرغم من ان بعض القوى السياسية تعزو التعطيل القائم الى الخلاف الكوردي حول منصب رئاسة الجمهورية بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، الا ان مصادر برغراف تؤكد ان جوهر الازمة يكمن داخل البيت الشيعي نفسه.
وبحسب الدستور العراقي، فان انتخاب رئيس الجمهورية يفتح الباب مباشرة امام تكليف مرشح الكتلة الاكبر بتشكيل الحكومة، غير ان الانقسام داخل الاطار التنسيقي حول شخصية المالكي هو ما يعطل حسم هذا الاستحقاق.
ويضع الموقف الاميركي قوى الاطار امام خيارين احلاهما مر، فالتراجع عن ترشيح المالكي يعد من وجهة نظر انصاره تنازلا عن القرار الوطني، في حين ان المضي بترشيحه قد يقود الى قطيعة مع واشنطن، بما تحمله من تداعيات اقتصادية وسياسية خطيرة.
وكان الرئيس الاميركي دونالد ترامب قد صرح في 27 كانون الثاني بان اعادة تنصيب المالكي ستكون “خيارا سيئا للغاية”، محذرا من ان الولايات المتحدة ستسحب دعمها للعراق في حال عودته، مضيفا ان البلاد ستواجه “صفر فرصة للنجاح والازدهار”.
وجاءت تصريحات ترامب بعد ايام من اعلان الاطار التنسيقي رسميا ترشيح المالكي خلال اجتماع عقد في منزل هادي العامري، مستندا الى تصويت داخلي واعتبارات تتعلق بالخبرة السياسية.
في المقابل، رد المالكي برفض ما وصفه بالتدخل الخارجي، مؤكدا ان اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي داخلي.
ويعيد هذا الجدل الى الواجهة سجل المالكي خلال ولايتيه بين عامي 2006 و2014، وهي مرحلة ارتبطت بالانقسام الطائفي والتدهور الامني وصعود تنظيم داعش، فضلا عن انهيار قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية.
وتتفاقم خطورة الازمة الحالية مع هشاشة الوضع الاقتصادي، اذ تخضع عائدات النفط العراقية لرقابة مالية اميركية، ما يمنح واشنطن نفوذا واسعا.
وفي هذا السياق، حذرت وزيرة المالية طيف سامي خلال لقاءات مغلقة من ان اي تدهور في العلاقة مع الادارة الاميركية قد يقود الى وضع اقتصادي بالغ الخطورة، مؤكدة ان العراق ما زال شديد التأثر بالقرارات الاميركية.
كما عبرت شخصيات من داخل الاطار نفسه، من بينها عمار الحكيم، عن القلق من تداعيات التصعيد مع واشنطن، داعية الى الالتزام بالمسار الدستوري لتجنب ازمة اشمل.
ومن خارج الاطار، وصف رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي دعم المالكي رغم الموقف الاميركي بانه “كارثي”، محذرا من ان العراق لا يحتمل عزلة دولية جديدة، كاشفا عن تحذيرات اميركية سابقة وصلت حد التلويح باغلاق السفارة في بغداد.
ومع طرح خيار تمديد حكومة السوداني، يجد العراق نفسه امام مفترق طرق حاسم، بين مناورات دستورية وصراعات داخلية وضغوط خارجية غير مسبوقة، في وقت باتت فيه نتائج هذا الصراع مرهونة بقدرة القوى السياسية على التوصل الى تسوية تنقذ البلاد من ازمة سياسية واقتصادية مفتوحة.