الدواء على الورق لا على الرفوف؛ قطاع الصحة العام في دهوك يلبي 50 بالمئة فقط من الوصفات الطبية

13-02-2026 08:23

 

 

عندما اصطحب نواف ميكائيل طفله الى مستشفى حكومي، كتب الطبيب وصفة تضمنت عدة ادوية، لكنه لم يتمكن من الحصول الا على نوع واحد منها من صيدلية المستشفى الداخلية.

في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية في دهوك، كثيرا ما تكون الاجابة المعتادة للمرضى عند تقديم الوصفات الطبية هي “لا يتوفر لدينا” وهي حقيقة اختبرها ميكائيل بنفسه مؤخرا.

ومع تفاقم الازمة المالية وتأخر صرف الرواتب بشكل مزمن، الامر الذي القى بظلاله الثقيلة على المواطنين، تحول القطاع الصحي الحكومي الى عبء اضافي على كاهل السكان. اذ لا تتمكن العديد من المستشفيات العامة حاليا من توفير سوى نصف الادوية والعلاجات التي يحتاجها المرضى.

وقال ميكائيل لبرغراف: "مرض طفلي فاخذته الى مستشفى حكومي. الطبيب وصف له اربعة انواع من الادوية. عندما ذهبت الى الصيدلية اعطوني نوعا واحدا فقط، وقالوا ان بقية الادوية غير متوفرة وعلي شراؤها من صيدلية خاصة".

ويقطن ميكائيل في مركز مدينة دهوك، واضطر الى شراء بقية الادوية من ماله الخاص رغم محدودية دخله.

وبات مواطنو دهوك امام خيارين احلاهما مر: اما التخلي عن الدواء الاساسي بسبب ضيق الحال، او اللجوء الى الصيدليات الخاصة وتحمل تكاليف مرتفعة. ويحدث ذلك في وقت ما تزال فيه اقليم كوردستان غارقة في ازمة مالية مستمرة منذ اكثر من عقد، ما يحول دون صرف الرواتب الشهرية في مواعيدها.

 

ازمة واسعة النطاق

تجربة ميكائيل تعكس معاناة كثيرين في دهوك. فقد اظهر تحقيق برغراف انه مع استمرار الضائقة الاقتصادية، يتجه المزيد من المواطنين الى المستشفيات الحكومية طلبا للعلاج، لكنهم يصطدمون بواقع نقص الادوية.

وقال ميكائيل: "لست وحدي، هناك مئات غيري لديهم الشكوى نفسها. لو كان لدي المال لما دخلت مستشفى حكوميا. نذهب لاننا لا نملك المال، لكننا نضطر في النهاية الى الدفع ايضا". واضاف ان الحكومة مطالبة بتوفير خدمات صحية متكاملة لمواطنيها.

وتساءل مستنكرا: "ما الفائدة من حبة صداع او دواء بسيط؟" معبرا عن استيائه من استمرار المشكلة رغم سنوات من الشكاوى والمطالبات بحل جذري.

ورغم ان دهوك غنية بالموارد الطبيعية ولا سيما النفط، وتضم منفذا حدوديا دوليا مهما، الا ان سكانها يعانون من معدلات فقر مرتفعة، وفقا لاحصاءات كل من حكومة اقليم كوردستان والحكومة العراقية.

واشار ميكائيل الى ان الظروف المعيشية تزداد صعوبة مع تأخر الرواتب وضعف مصادر الدخل، متسائلا: "كيف يمكننا تحمل تكاليف الصيدليات الخاصة او العمليات في المستشفيات الاهلية في ظل هذه الظروف؟".

 

فجوة في الاسعار

وكشف تحقيق برغراف عن فجوة كبيرة في الاسعار بين القطاعين العام والخاص. فعلى سبيل المثال، تتراوح تكلفة عملية الولادة القيصرية في مستشفى خاص بين 600 الف ومليون دينار عراقي، بينما تبلغ كلفتها في مستشفى حكومي نحو 300 الف دينار.

وقالت الدكتورة جنان نوري، وهي طبيبة في مستشفى دهوك للولادة، لبرغراف: "نقص الادوية يشمل مستشفى الولادة ايضا. فالنساء الحوامل يحتجن الى مكملات عدة مثل فيتامين د والكالسيوم والزنك والحديد، وهذه غالبا غير متوفرة داخل المستشفى، ما يضطر المريضات الى شرائها من الخارج".

واضافت ان بعض الادوية المستخدمة لتثبيت الحمل ومنع الاجهاض غير متوفرة حاليا في المؤسسات الحكومية ولا توجد الا في القطاع الخاص.

وتابعت: "تصل دفعات شهرية من الادوية الى مستشفى الولادة، لكنها تنفد بسرعة. عدد المراجعين كبير جدا مقارنة بحجم التجهيزات. في السابق كان الوضع افضل، اما في الاونة الاخيرة فقد اصبح النقص واضحا. من المؤلم ان نطلب من المريضة شراء الدواء او اجراء فحص خارج المستشفى، لكن الامر خارج عن ارادتنت".

كما يشكل وجود الاف النازحين داخليا واللاجئين السوريين في دهوك ومحيطها ضغطا اضافيا على البنية التحتية الصحية.

واوضحت الدكتورة نوري انها تجري اكثر من 15 عملية جراحية خلال مناوباتها الصباحية شهريا في المستشفى الحكومي، مضيفة: "لا اخفي ان عددا اكبر من العمليات يجرى في المستشفيات الخاصة".

 

مخصصات غير كافية

في السابق كانت ميزانية الادوية والمستلزمات الطبية لمحافظة دهوك وادارة زاخو موحدة، وتشكل 23 بالمئة من مخصصات الاقليم. وبعد ان اصبحت زاخو ادارة مستقلة، انخفضت حصة دهوك الى 18 بالمئة.

وقال الدكتور افراسياب موسى، المدير العام للصحة في دهوك، لبرغراف: "نمتلك نحو 80 بالمئة من الادوية الاساسية، لكن بعض الاصناف تشهد فجوات تمتد من 15 الى 20 يوما لحين وصول الشحنة التالية".

واوضح انه اذا وصف الطبيب ستة اصناف دوائية، فان المستشفى يستطيع عادة توفير نصفها فقط، فيما يضطر المريض الى شراء البقية على نفقته الخاصة. واضاف: "بطبيعة الحال نرغب في توفير كل انواع الادوية للمريض، لكن اذا لم تكن متوفرة فماذا بوسعنا ان نفعل؟"

وتتكون محافظة دهوك من ثماني اقضية و31 ناحية، ويبلغ عدد سكانها اكثر من مليون و599 الف نسمة بحسب بيانات مديرية الاحصاء.

وفيما يتعلق بالعمليات الجراحية، اشار المدير العام الى ان تحديد المواعيد يعتمد على عدد صالات العمليات وتوفر الاختصاصيين وحالة المريض. وتعطى الاولوية للحالات الطارئة، بينما قد ينتظر المرضى غير الطارئين مدة لا تتجاوز ستة اشهر. كما لفت الى وجود نظام “شبه خاص” داخل بعض المستشفيات الحكومية، يتيح للمريض دفع مبلغ اعلى مقابل تسريع تلقي العلاج.