فاتورة الرواتب في إقليم كوردستان تتجاوز 11 تريليون دينار سنويا.. وواحد من كل خمسة سكان يتلقى راتبا أو مخصصا حكوميا

27-06-2026 08:50

برغراف — تكشف أحدث بيانات الرواتب الصادرة عن وزارة المالية في حكومة إقليم كوردستان، والتي حصلت عليها برغراف من كتاب "الأنشطة والإصلاحات (2019-2025)"، عن أوضح صورة حتى الآن لبنية الإنفاق العام في الإقليم. وعند مقارنتها بنتائج التعداد العام للسكان في العراق، الذي أجري في تشرين الأول 2024 وأعلنت نتائجه الأولية في تشرين الثاني من العام نفسه، يتضح أن التحدي المالي لا يقتصر على الإيرادات، بل يمتد إلى اختلال هيكلي في جانب الإنفاق، حيث تستحوذ الرواتب والمدفوعات الحكومية على الحصة الأكبر من الموازنة.

ووفقا لنتائج التعداد، يبلغ عدد سكان إقليم كوردستان 6,519,129 نسمة، يتوزعون بواقع 2,517,534 نسمة في أربيل، و2,401,724 في السليمانية وحلبجة، و1,599,871 في دهوك.

في المقابل، تظهر بيانات وزارة المالية أن 1,190,391 شخصا يتلقون مدفوعات شهرية من الحكومة، بكلفة تبلغ 945.8 مليار دينار شهريا، أي ما يعادل نحو 11.35 تريليون دينار سنويا.

وتعني هذه الأرقام أن نحو واحد من كل خمسة سكان في إقليم كوردستان يتلقى راتبا أو تقاعدا أو إعانة حكومية، إذ تمثل المدفوعات الحكومية المباشرة 18.3 بالمئة من إجمالي سكان الإقليم. ونظرا لأن غالبية المستفيدين يعيلون أسرهم، فإن معيشة شريحة واسعة من السكان ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بانتظام صرف الرواتب، وهو ما يفسر تحول أي تعثر في التمويل أو أي خلاف مالي بين أربيل وبغداد إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

موازنة تهيمن عليها الرواتب

تكشف البيانات أن الهيكل المالي لحكومة إقليم كوردستان بات يحمل خصائص ما يعرف اقتصاديا بـ"دولة الرواتب"، إذ تذهب الحصة الأكبر من الإنفاق العام إلى تغطية الالتزامات الدائمة الخاصة بالرواتب والمخصصات، على حساب توسيع الإنفاق الاستثماري وتمويل مشاريع التنمية وتحسين الخدمات العامة.

وتظهر الأرقام أن عدد الموظفين المدنيين العاملين فعليا في المؤسسات الحكومية يبلغ 382,350 موظفا، أي ما يمثل 32 بالمئة فقط من إجمالي المستفيدين من المدفوعات الحكومية.

أما النسبة المتبقية، البالغة 68 بالمئة، فتشمل قوات البيشمركة، والقوات الأمنية، والمتقاعدين، والعاملين بالعقود، ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، وذوي الشهداء وضحايا الأنفال.

وبذلك، يقابل كل موظف مدني على رأس عمله أكثر من شخصين يتلقون مدفوعات حكومية خارج إطار الوظيفة المدنية.

ويعكس هذا الواقع تراكمات عقود من الصراعات والتسويات السياسية، إلى جانب توسع برامج الحماية الاجتماعية، لكنه يكشف أيضا أن التزامات الحكومة لم تعد تقتصر على تمويل الجهاز الإداري، بل أصبحت تمتد إلى شرائح واسعة من المجتمع، ما يزيد من صعوبة خفض الإنفاق الجاري أو إعادة توجيهه نحو الاستثمار.

 القطاع الأمني يستحوذ على أكثر من 40 بالمئة من فاتورة الرواتب

ويستحوذ القطاع الأمني على أحد أكبر بنود الإنفاق في موازنة إقليم كوردستان، وفقا لبيانات وزارة المالية.

فعند جمع قوات البيشمركة، ومتقاعدي البيشمركة، ومنتسبي وزارة الداخلية، والأسايش، يبلغ عدد المستفيدين ضمن هذه المؤسسات 421,598 شخصا، أي ما يعادل 35.4 بالمئة من إجمالي من يتلقون مدفوعات حكومية.

وتبلغ قيمة رواتبهم الشهرية مجتمعة 391.8 مليار دينار، بما يمثل 41.4 بالمئة من إجمالي فاتورة الرواتب الشهرية للحكومة.

وبعبارة أخرى، يذهب أكثر من أربعة دنانير من كل عشرة دنانير تنفقها الحكومة على الرواتب إلى المؤسسات الأمنية.

ورغم ارتباط هذا المستوى من الإنفاق بالظروف الأمنية التي مر بها إقليم كوردستان على مدى سنوات، فإنه في الوقت نفسه يحد من قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، فضلا عن تقليص الموارد المتاحة لتنويع الاقتصاد.

 التقاعد يلتهم ربع فاتورة الرواتب

إلى جانب الإنفاق على القطاع الأمني، يمثل ملف التقاعد أحد أكبر الالتزامات المالية التي تواجه حكومة إقليم كوردستان.

وتشير بيانات وزارة المالية إلى أن الحكومة تدفع رواتب تقاعدية لـ340,352 متقاعدا، بينهم 201,337 متقاعدا مدنيا و139,015 من متقاعدي البيشمركة.

وتبلغ الكلفة الشهرية لرواتب التقاعد 222.8 مليار دينار، أي ما يقارب ربع إجمالي فاتورة الرواتب الشهرية.

وتختلف رواتب التقاعد عن مشاريع البنية التحتية أو الإنفاق الاستثماري، إذ لا يمكن تأجيلها أو تقليصها بسهولة خلال الأزمات المالية، ما يجعلها التزاما ثابتا يتزايد مع مرور الوقت. ومع استمرار إحالة موظفين جدد إلى التقاعد، يتوقع أن تواصل هذه الالتزامات ارتفاعها ما لم تنفذ إصلاحات هيكلية في النظامين المالي والإداري.

الحكومة أكبر شبكة أمان اجتماعي

وتظهر البيانات أن حكومة إقليم كوردستان تؤدي عمليا دور أكبر شبكة أمان اجتماعي في الإقليم.

فعند جمع المتقاعدين، ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، وذوي الشهداء، وضحايا الأنفال، يصل عدد المستفيدين إلى 494,521 شخصا، أي ما يعادل 41.5 بالمئة من إجمالي المدرجين ضمن قوائم الصرف.

ورغم أن هذه المدفوعات تؤدي دورا أساسيا في دعم الشرائح الأكثر احتياجا، فإنها في المقابل تمثل التزامات مالية دائمة يصعب تقليصها حتى في فترات تراجع الإيرادات.

أكثر من نصف مليون مستفيد خارج الملاك الدائم

وتكشف بيانات وزارة المالية أن 525,458 شخصا، أي ما يعادل 44.1 بالمئة من إجمالي المستفيدين، يصنفون ضمن فئات خارج الملاك الدائم، وتشمل العاملين بالعقود وفئات أخرى تتلقى مدفوعات حكومية.

ورغم أن متوسط ما يحصل عليه هؤلاء أقل من الموظفين الدائمين، فإن كلفتهم الشهرية تبلغ 283.7 مليار دينار، ما يقلص هامش المرونة المالية المتاح أمام الحكومة، ويحد من قدرتها على إعادة توجيه الموارد نحو أولويات أخرى.

التوزيع الجغرافي للرواتب

وتظهر البيانات أن أربيل تضم أكبر عدد من المستفيدين، بواقع 585,364 شخصا، تبلغ فاتورة رواتبهم الشهرية 489.1 مليار دينار، أي نحو 49 بالمئة من إجمالي المستفيدين.

وتأتي السليمانية في المرتبة الثانية بـ436,740 مستفيدا، تبلغ قيمة رواتبهم 341.9 مليار دينار شهريا.

أما دهوك، فسجلت 140,206 مستفيدين، بكلفة شهرية بلغت 95.6 مليار دينار.

إلا أن وزارة المالية تؤكد أن هذه الأرقام لا تعكس التوزيع الفعلي للموظفين بين المحافظات، إذ تصرف رواتب قوات البيشمركة، ومنتسبي وزارة الداخلية، والأسايش، ومتقاعدي البيشمركة في دهوك إداريا عبر أربيل، فيما تصرف رواتب عدد من المنتسبين الأمنيين وبعض الفئات الأخرى في حلبجة عبر السليمانية.

وبناء على ذلك، فإن اعتماد البيانات بحسب المحافظة قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لحجم التوظيف الفعلي في كل محافظة، ما يجعلها مؤشرا على جهة الصرف الإداري أكثر من كونها تعكس التوزيع الحقيقي للمستفيدين.

 حلبجة.. أعلى نسبة متقاعدين

وتعد محافظة حلبجة المثال الأبرز على تنامي أعباء التقاعد داخل إقليم كوردستان.

فمن أصل 15,334 مستفيدا، يشكل المتقاعدون المدنيون نحو 63 بالمئة، بينما لا تتجاوز نسبة الموظفين المدنيين العاملين 20 بالمئة.

وبذلك، يزيد عدد المتقاعدين في المحافظة على عدد الموظفين العاملين بأكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما يعكس اتساع العبء المالي لملف التقاعد حتى في أصغر محافظات الإقليم.

 تفاوت واضح في متوسط الرواتب

وتظهر البيانات وجود تفاوت ملحوظ في متوسط الرواتب بين القطاعات الحكومية.

ويتصدر منتسبو الأسايش القائمة، بمتوسط راتب شهري يبلغ نحو 1.56 مليون دينار، يليهم منتسبو وزارة الداخلية بمتوسط يقارب 1.21 مليون دينار.

ويبلغ متوسط رواتب الموظفين المدنيين نحو 958 ألف دينار، فيما يتقاضى مقاتلو البيشمركة نحو 808 آلاف دينار شهريا.

أما المتقاعدون، فيتراوح متوسط رواتبهم بين 630 و690 ألف دينار، في حين يحصل مستفيدو الرعاية الاجتماعية على أدنى متوسط، ويبلغ نحو 145 ألف دينار شهريا.

ويعكس هذا التفاوت اختلاف طبيعة المهام وأنظمة الرواتب بين المؤسسات الحكومية، لكنه يوضح أيضا حجم التباين في كلفة الإنفاق بين القطاعات المختلفة.

 أزمة هيكلية تتجاوز الإيرادات

وتشير المؤشرات إلى أن التحدي المالي الذي تواجهه حكومة إقليم كوردستان لا يرتبط فقط بحجم الإيرادات أو التحويلات المالية القادمة من بغداد، بل بطبيعة الإنفاق العام نفسه.

فمعظم الفئات التي تتلقى رواتب أو مخصصات تمثل التزامات قانونية يصعب على الحكومة إيقافها أو تقليصها، سواء تعلق الأمر بالمتقاعدين، أو القوات الأمنية، أو مستفيدي الرعاية الاجتماعية، أو ذوي الشهداء، أو ضحايا الأنفال.

ولهذا، عندما تتراجع عائدات النفط أو تتأخر التحويلات المالية من بغداد، تصبح خيارات الحكومة محدودة، وغالبا ما تتجه إلى تأجيل مشاريع البنية التحتية والاستثمار، في حين تبقى الرواتب أولوية يصعب المساس بها.

 أكثر من 11 تريليون دينار سنويا

وتوضح بيانات وزارة المالية أن إجمالي الالتزامات السنوية الخاصة بالرواتب والمدفوعات الحكومية تجاوز 11.35 تريليون دينار.

ويترك هذا الواقع هامشا ماليا محدودا أمام الحكومة للاستثمار في مشاريع التنمية، وتنويع الاقتصاد، وتحسين الخدمات العامة.

كما يستحوذ القطاع الأمني على أكثر من 40 بالمئة من إجمالي الإنفاق على الرواتب، فيما تواصل التزامات التقاعد الارتفاع، ويعتمد نحو نصف مليون شخص على برامج الرعاية الاجتماعية والتعويضات الحكومية، ما يعكس اتساع حجم الإنفاق الجاري مقارنة بالإنفاق الاستثماري.

مستقبل الموازنة

وتشير هذه المؤشرات إلى أن موازنة إقليم كوردستان ستظل عرضة للضغوط المالية ما لم يتحقق نمو اقتصادي يفوق نمو فاتورة الرواتب، أو تنفذ إصلاحات هيكلية تعيد التوازن بين الإنفاق الجاري والإنفاق الاستثماري.

وبحسب البيانات، فإن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في زيادة الإيرادات أو استئناف صادرات النفط، بل في إعادة هيكلة الإنفاق العام، بما يمنح الحكومة مساحة مالية أكبر للاستثمار في البنية التحتية، وخلق فرص العمل، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة.